
دكتور أسامة العمري مؤسس ورئيس منظمة ابونا ادم الخيريه يواصل سلسلة رؤي التغيير (14) بعنوان «ممسكات الوحدة الوطنية في السودان: رؤية معاصرة»
مقال
تقوم الوحدة الوطنية فيه السودان، وفق الرؤية الحديثة، على جملة من الأسس العميقة التي تتجاوز الخطابات التقليدية، وترتكز على بناء دولة عادلة يتساوى فيها المواطنون دون تمييز. وتتحدد ممسكات الوحدة من خلال مجموعة محاور أساسية، أبرزها الثقة بين الدولة والمجتمع، ووجود قيادة وطنية مسؤولة، وحكومة شرعية، ومعارضة ملتزمة بالدستور، إضافة إلى ترسيخ وعي جمعي بحقوق المواطنة والانفتاح على العالم.
أول ممسكات الوحدة يتمثل في الثقة في الدولة وفي مكونات الشعب السوداني بتنوعه الاجتماعي والثقافي بوصفها الشرط الأول لأي تماسك اجتماعي. فلا يمكن بناء دولة مستقرة دون علاقة ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسسات الحكم، تقوم على العدالة والشفافية والاعتراف المتبادل بين جميع المكونات الاجتماعية والثقافية والجهوية.
وتبرز أهمية وجود قيادة تمثل المصالح العليا للدولة، وتمتلك رؤية وطنية تتجاوز الولاءات الضيقة، وتعمل على تعزيز قيم المواطنة والولاء للدولة لا للأفراد. كما تعد حكومة تعبر عن إرادة الشعب ركيزة أساسية للوحدة، إذ إن الشرعية السياسية تضمن الالتفاف الشعبي حول مؤسسات الحكم وتمنع الانقسام.
في المقابل، تشكل المعارضة الوطنية المسؤولة أحد أهم عناصر الوحدة، فهي تعمل كصمام أمان داخل النظام السياسي بشرط التزامها بالدستور، وحرصها على الدولة ومؤسساتها، وعدم انجرافها نحو الفوضى أو التحريض ضد الدولة. فالمعارضة الواعية تدعم التداول السلمي للسلطة، وتحمي البلاد من الانقسام والاستبداد.
ومن أهم الممسكات أيضًا وجود وعي جمعي بحقوق المواطنة، يقوم على الإدراك بأن الوطنية لا تُقاس بالانتماء الجغرافي أو القبلي، بل بمدى احترام الفرد لحقوق الآخر واعترافه الكامل بمواطنته. وهذا المفهوم يمثل جوهر الوحدة الوطنية الحديثة، لأنه يعزز ثقافة الاعتراف والاحترام المتبادل داخل المجتمع.
وتسهم القيادات الوطنية الصادقة، التي تخدم الشعب ولا تتاجر باسمه، في تعزيز وحدة المجتمع وترميم الثقة في مؤسسات الحكم. كما تلعب العلاقات المتميزة مع دول الجوار دورًا مركزيًا في حماية النسيج الداخلي، نظرًا للتداخل الإثني والثقافي والتاريخي العميق بين السودان والدول المحيطة به.
وتعزز قيم الأخوة الإنسانية داخل المجتمع السوداني من الانسجام والتسامح، مما يجعل التنوع مصدر قوة لا سبب نزاع. أما الانفتاح على العالم فيُعد ركيزة تدعم الانسجام الوطني، لأنه يوسع آفاق المجتمع ويعزز التفاعل الحضاري،والاقتصادي في حين يؤدي الانغلاق والانكفاء على الذات إلى تعميق الخلافات الداخلية وتضييق في مجالات الفكر والاقتصاد ومايعرف بالأمن القومي
وبذلك، فإن الوحدة الوطنية في السودان لابد ان تقوم على شبكة من المفاهيم العملية التي تعكس تطور الوعي الوطني، وتستند إلى دولة عادلة، وقيادة رشيدة، ومواطنة شاملة، وانفتاح حضاري، باعتبارها عناصر لا غنى عنها لبناء مستقبل مستقر.



