اخبار السوداناخبار المنظماتتحليلات وتقارير

*ذاكرة الظل* نكتب.. ما لا تقوله العناوين.. حين تنحرف الإدارة الأهلية عن دورها

مقال: المهندس حسين تيمان

*ذاكرة الظل* نكتب ما لا تقوله العناوين حين تنحرف الإدارة الأهلية عن دورها

في ذاكرة الظل، لا نكتب فقط ما جرى، بل ما جرى باسم الناس دون أن يقولوه، وما فُرض عليهم من مواقف، وما تُرك في الهامش رغم أنه يقع في صميم المأساة.

من بين أخطر التحولات التي فرضتها الحرب في السودان، ذلك الانزلاق المؤلم في أدوار بعض قيادات الإدارات الأهلية؛ من مؤسسات يفترض أن تحرس السلم الاجتماعي، إلى منصات تصنع الاستقطاب، وتمنح الصراع غطاءً أهليًا، وتدفع بالمجتمعات إلى قلب المعركة دون تفويض منها ولا مصلحة لها فيها.

تاريخيًا، لم تكن الإدارة الأهلية جهازًا للتعبئة السياسية أو الاصطفاف العسكري، بل كانت إحدى أدوات المجتمع في إدارة التوازن، واحتواء التوتر، ورتق النسيج الاجتماعي، والتدخل عند الأزمات بما يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.

كان دورها أن تُطفئ الحرائق، لا أن تُوزّع الوقود عليها.

لكن المشهد اليوم يقول شيئًا آخر.

ففي غير منطقة، خرج بعض من يتصدرون واجهة الإدارة الأهلية ليعلنوا باسم قبائلهم أو مناطقهم أو مجتمعاتهم الانحياز لهذا الطرف أو ذاك في الحرب، بل وتجاوز بعضهم ذلك إلى خطاب تعبئة وتجييش وتخوين وتحريض، وكأن المجتمعات التي يمثلونها مجرد كتلة صماء يمكن الزج بها في أتون الصراع بكلمة تُقال على منبر، أو في تسجيل، أو داخل مجلس محدود.

وهنا تبدأ المعضلة الأخطر.

لأن أي مجتمع — في القرية أو المدينة أو المعسكر — ليس جيشًا، وليس حزبًا، وليس موقفًا واحدًا.

إنه مساحة بشرية معقدة تضم المدني، والمزارع، والمعلم، والطبيب، والطالب، والمرأة، والشيخ، والعامل، والحرفي، ومن لا يريد من هذه الحرب سوى أن تمر من دون أن تبتلع ما تبقى من حياته.

وحين يتحدث فرد واحد باسم الجميع، فإنه لا يختطف فقط حقهم في الموقف، بل يعرّضهم جماعيًا للخطر.

ذلك أن الحرب لا تقرأ الفروق الدقيقة، ولا تميّز بين من قال ومن لم يقل، ولا بين من حمل السلاح ومن لم يحمله.

فما إن يُلصق بمجتمع ما موقفٌ عسكري أو سياسي، حتى يصبح كل أفراده عرضةً للاشتباه، وربما الانتقام.

غير أن الخطر لا يقف عند حدود الانحياز.

فما بات أكثر إثارة للقلق هو تزايد الخطابات العنصرية والتمييزية الصادرة عن بعض القيادات الأهلية، وهي خطابات لا تكتفي بتحديد “من مع من”، بل تذهب أبعد من ذلك إلى إعادة تعريف الناس على أساس الهوية الضيقة، وإنتاج فرز اجتماعي حاد بين مكونات يفترض أن يجمعها المصير الواحد.

في مثل هذه الخطابات، لا يُنظر إلى الناس باعتبارهم مواطنين أو شركاء في الجرح الوطني، بل باعتبارهم أبناء جهات، أو قبائل، أو مكونات يُراد شحنها نفسيًا ضد بعضها البعض.

وهذا النوع من اللغة ليس مجرد انفعال سياسي عابر، بل عمل تدميري منظم ضد فكرة المجتمع نفسها.

فالخطاب العنصري حين يصدر من شخصية ذات رمزية أهلية، لا يبقى مجرد رأي، بل يتحول لدى البعض إلى إذن اجتماعي بالكراهية.

وحين تُقال العبارات التي تُقصي، وتُحمّل جماعات كاملة وزر الحرب، وتُشكك في انتماء الآخرين أو وطنيتهم أو إنسانيتهم، فإن النتيجة لا تكون فقط اتساع رقعة الانقسام، بل إعادة إنتاج العنف داخل الوعي الجمعي.

وهنا لا تكون الخسارة آنية فقط، بل ممتدة.

لأن المجتمعات التي تُحقن بهذه اللغة تصبح أقل قابلية للتسامح، وأضعف قدرة على المصالحة، وأكثر هشاشة أمام أي استدعاء جديد للثأر أو الفرز أو الانتقام.

وبذلك تتحول الإدارة الأهلية، التي كان يفترض أن تكون إحدى أدوات الحماية المجتمعية، إلى قناة لنقل الحرب من الجبهات إلى العلاقات اليومية بين الناس.

ولا يمكن تناول هذه الأزمة بصدق من دون الإشارة إلى أن بعض ما يُطرح اليوم تحت عنوان “الإدارة الأهلية” لا يستند كله إلى شرعية اجتماعية تاريخية خالصة.

ففي السودان، عُرفت مسميات الإدارة الأهلية عبر سياقات اجتماعية وتاريخية متنوعة مثل: الملك، السلطان، الناظر، العمدة، الشيخ، المقدوم، المك، الشرتاي، الفرشة، الدمنقاوي وغيرها من البُنى التي نشأت داخل بيئاتها المحلية لخدمة الاستقرار الأهلي.

لكن من الواضح أيضًا أن بعض هذه المواقع أو الواجهات تعرضت في مراحل سابقة، لا سيما خلال سنوات المؤتمر الوطني، إلى التسييس، وإعادة التشكيل، والتوظيف السلطوي، بحيث جرى أحيانًا تصعيد شخصيات أو تكريس مسميات أو أدوار لا على أساس الكفاءة المجتمعية أو القبول الأهلي الحقيقي، بل على أساس الولاء السياسي والقدرة على التأثير والتعبئة.

وهنا فقدت بعض القيادات — وإن احتفظت باللقب — جوهر الوظيفة الأخلاقية التي منحت الإدارة الأهلية معناها التاريخي.

والمشكلة ليست فقط فيمن انحرفوا عن الدور، بل أيضًا في غياب آليات داخلية للمراجعة والمساءلة داخل المجتمعات نفسها.

إذ لا يعقل أن يظل أي شخص قادرًا على الزج بمجتمع كامل في نزاع دموي، أو إطلاق خطاب كراهية وتمييز، ثم يظل ذلك محسوبًا على أنه “رأي أهلي” أو “موقف مجتمع”.

هذا وضع يحتاج إلى مراجعة عاجلة.

فالمطلوب اليوم ليس إلغاء الإدارة الأهلية، ولا شيطنة كل رموزها، لأن في داخلها أيضًا شخصيات محترمة وعاقلة ومخلصة، ما تزال تؤمن بالإصلاح والتوازن وحق الناس في السلام.

لكن المطلوب هو إعادة ضبط الدور، واستعادة الوظيفة، وفصل المرجعية المجتمعية عن الأجندة السياسية والعسكرية.

ومن أهم ما يجب التفكير فيه بجدية، هو إنشاء أجسام مجتمعية للمساءلة والانضباط داخل كل مجتمع، تضم حكماء، ونساء، وشبابًا، ومهنيين، وأصواتًا متوازنة، تكون مهمتها مراجعة ما يُقال باسم المجتمع، ورفض التحريض، ومحاسبة من يختطف صوت الناس أو يقودهم إلى معارك لا تخصهم.

فلا أحد يجب أن يملك حق تحويل المجتمع إلى منصة حرب، أو مستودع تعبئة، أو خزان كراهية.

السودان اليوم لا يحتاج إلى من يُتقن رفع الصوت، بل إلى من يعرف كيف يمنع انهيار ما تبقى من الروابط بين الناس.

ولا يحتاج إلى زعامات توزع الانحيازات، بل إلى مرجعيات تردّ الاعتبار لفكرة العيش المشترك، والمسؤولية الأخلاقية، وحُرمة الدم الأهلي.

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط ما تفعله البنادق، بل أيضًا ما تقوله المنابر حين تتجرد من الحكمة.

وحين تنحرف الإدارة الأهلية عن دورها، فإنها لا تخون فقط وظيفتها التاريخية، بل تترك المجتمع عاريًا أمام الفتنة، والتمييز، والتفكك، والانقسام.

هذه ليست نهاية الحكاية… بل مجرد صفحة أخرى من ذاكرة الظل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى