اخبار السوداناخبار المنظمات

اليوم العالمي للغة المساليت.. رسائل لحماية الهوية وصون الإرث الثقافي في المهجر

متابعات أصوات الضحايا، كمبالا

في وقت تتزايد فيه المخاوف من اندثار اللغات المحلية بفعل الحروب والنزوح والاغتراب، أعاد أبناء المساليت في المهجر طرح قضية الهوية والانتماء عبر بوابة اللغة، باعتبارها الوعاء الحافظ للذاكرة الجماعية والجسر الرابط بين الأجيال والتاريخ.

وتحوّل الاحتفال باليوم العالمي لـ«لغة» المساليت «المسرا» في العاصمة الأوغندية كمبالا إلى منصة ثقافية واجتماعية للتأكيد على أهمية حماية الإرث التاريخي والدفاع عن حق الشعوب في الحفاظ على لغاتها الأصلية بوصفها جزءاً أصيلاً من وجودها وهويتها.

واحتفلت رابطة المساليت بدولة أوغندا، الأحد 17 مايو 2026، باليوم العالمي للغة المساليت ضمن فعاليات برنامج «صامدون دار أندوكا 2025 ـ 2026»، وسط حضور واسع من أبناء الجالية السودانية ومهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي، في فعالية حملت رسائل تتجاوز الاحتفاء باللغة إلى الدعوة لصون الهوية وتعزيز التماسك المجتمعي.

وتضمن البرنامج معرضاً تراثياً ضم مقتنيات تقليدية توثق ملامح من تاريخ مجتمع المساليت، إلى جانب عروض تعريفية باللغة ونماذج من الأدب الشفهي والمكتوب، وفقرات ثقافية وفنية وقصائد باللغة «المسرا»، عكست ارتباط اللغة بالإرث الحضاري والثقافي للمجتمع.

وأكد وزير الصحة الأسبق بولاية غرب دارفور جمال رمضان آدم، أن تاريخ المساليت يمثل جزءاً أصيلاً من تاريخ السودان، مشيراً إلى أن هذه القومية ذات الامتداد الواسع داخل السودان وخارجه تمتلك إرثاً اجتماعياً وسياسياً ارتبط بمراحل مهمة من تاريخ الإدارة الأهلية والسلطنة.

واستعرض جمال خلال كلمته أدوار عدد من سلاطين المساليت في ترسيخ قيم الحكمة والتعايش والإدارة المجتمعية، مبيناً أن القيادات التاريخية واجهت تحديات الحروب والنزاعات بالحكمة والمرونة، وأسهمت في بناء نموذج للتعايش بين مكونات دار مساليت المختلفة.

وأشار إلى أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما تمثل هوية متكاملة، داعياً إلى عدم التفريط في الإرث الثقافي، ومشدداً على أهمية الاحتفاء بالمناسبات المقبلة داخل مناطق الهوية التاريخية للمساليت.

وقال إن الأجداد واجهوا مراحل مفصلية وصراعات استعمارية، وتركوا للأجيال إرثاً كبيراً ومسؤولية الحفاظ عليه، مضيفاً أن حماية اللغة تمثل جزءاً من الوفاء لذلك التاريخ.

من جانبه، اعتبر قنصل السودان لدى أوغندا الجزولي حامد، أن الاحتفال باليوم العالمي للغة المساليت يعكس عمق الإرث الحضاري السوداني وتنوعه الثقافي، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاء للهوية ومرآة للقيم والعادات والتاريخ.

وأوضح الجزولي أن الحفاظ على اللغات السودانية يمثل حفاظاً على التراث الوطني، مشيداً بجهود رابطة المساليت في صون اللغة والثقافة وتعريف الأجيال الجديدة بهما، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمعات السودانية في المهجر.

وأكد أن التمسك باللغة الأم لا يتعارض مع الانفتاح على اللغات الأخرى، بل يعزز الثقة بالهوية والانتماء الوطني، داعياً إلى النظر للتنوع اللغوي والثقافي في السودان باعتباره مصدراً للوحدة والتفاهم بين المكونات المختلفة.

وفي رسالة حملت أبعاداً تربوية واجتماعية، دعت أمينة المرأة والطفل برابطة المساليت في أوغندا، الأستاذة عائشة محمد، الأمهات إلى غرس اللغة الأم داخل الأسرة منذ السنوات الأولى للطفل، مؤكدة أن اللغة ليست كلمات فحسب، بل مخزون للقيم والتاريخ والهوية.

وشددت على أن الأسرة، والأم على وجه الخصوص، تمثل المدرسة الأولى للحفاظ على البناء اللغوي للأبناء، محذرة من مخاطر اندثار اللغة نتيجة ضعف استخدامها داخل البيوت والمجتمعات.

ودعت إلى جعل لغة المساليت حاضرة في الحياة اليومية عبر الحديث بها داخل المنزل، وسرد القصص للأطفال، واستخدامها في المناسبات الاجتماعية والمنصات الرقمية، مؤكدة أن اللغة الحية هي التي تمارس باستمرار.

وأضافت أن الحفاظ على اللغة مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع، لأن الأمم التي تحافظ على لغاتها تحافظ في الوقت نفسه على كرامتها ووجودها الثقافي.

بدورها، طالبت الناشطة رشيدة إبراهيم بضرورة إدراج لغة المساليت ضمن المناهج الدراسية السودانية باعتبارها حقاً ثقافياً يجب الحفاظ عليه وتعزيزه لدى الأجيال الجديدة.

وقالت إن كتابة اللغة وتوثيقها باتا متاحين، ما يتطلب تشجيع الأطفال والشباب على تعلمها، مشيرة إلى أن ما يميز الشعوب ويحفظ خصوصيتها هو تمسكها بلغتها وثقافتها.

وأكدت أن مجتمع المساليت ظل عبر تاريخه متعايشاً مع مختلف المكونات الاجتماعية في المنطقة، داعية إلى استمرار هذا النهج القائم على التعايش والانفتاح.

وربطت رشيدة بين الاحتفاء باللغة وقضايا النزوح واللجوء، معتبرة أن المحافظة على اللغة تمثل رسالة صمود وأمل للأجيال التي تعيش ظروف النزاعات، وأن العودة إلى الديار تظل هدفاً مرتبطاً بالحفاظ على الهوية.

إلى ذلك، دعا رئيس رابطة المساليت بدولة أوغندا الأستاذ بحر ضحية، أبناء المجتمعات الأصيلة إلى التمسك بعاداتهم وثقافاتهم ولغاتهم، مشدداً على أهمية تعليم الأطفال اللغة بصورة صحيحة منذ الصغر.

وأكد أن استمرار الاحتفال باللغة في المهجر يعكس رغبة أبناء المساليت في الحفاظ على جذورهم الثقافية ونقلها إلى الأجيال القادمة رغم تحديات النزوح والاغتراب.

وفي مشهد اختلطت فيه رسائل التاريخ بأصوات الأمهات والناشطين والقيادات المجتمعية، بدا الاحتفال باليوم العالمي للغة المساليت أكثر من مجرد مناسبة ثقافية، بل إعلاناً جماعياً بأن الهوية لا تُصان إلا بحماية لغتها، وأن الشعوب التي تتمسك بذاكرتها الثقافية تظل أكثر قدرة على البقاء مهما تبدلت الظروف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى