
كلما اشتعلت الحروب، برزت لغة الاتهامات السهلة. فجأة يصبح الحديث عن “شفشفة الخرطوم” وكأنه اختزال لمأساة وطن بأكمله في سلوك أفراد، بينما يغيب السؤال الأهم: من الذي أوصل البلاد إلى هذه المرحلة؟
حين تنهار الدولة، وتغيب مؤسساتها، وتتوقف عجلة الاقتصاد، وتصبح الحرب هي اللغة الوحيدة لإدارة الخلافات، فإن الفوضى لا تستأذن أحدًا. فالمدن التي تتحول إلى ساحات قتال لا تحافظ على عمرانها ولا على ممتلكاتها، لأن الحرب بطبيعتها تفتح الباب أمام الانفلات والجريمة والانتهاكات.
كيف لا يحدث ذلك، وقد عاش السودان سنوات طويلة بين التمرد، والتهميش، والفقر، والانهيار الاقتصادي، ثم جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى؟ وكيف يُطلب من مجتمع أنهكته المجاعات والنزوح وفقدان مصادر الرزق أن يبقى بمنأى عن آثار هذا الانهيار الشامل؟
المفارقة أن بعض الساسة يتعاملون مع نتائج الحرب وكأنها منفصلة عن أسبابها. ينددون بالنهب، لكنهم لا يتحدثون بالقدر نفسه عن السياسات التي قادت إلى حمل السلاح، ولا عن القرارات التي جعلت المدن ميادين للقتال، ولا عن مسؤولية جميع الأطراف التي أسهمت في تدمير مؤسسات الدولة وإضعاف سيادة القانون.
لقد اختار السياسيون، في مراحل مختلفة، الصراع وسيلة لتحقيق أهدافهم أو العودة إلى السلطة، بينما دفع المواطن العادي الثمن من دمه وبيته ولقمة عيشه. وما يحدث اليوم ليس سوى أحد وجوه هذا الثمن الباهظ.
ولا يمكن اختزال تاريخ السودان أو مستقبل شعبه في مبانٍ أو ممتلكات تركها الاستعمار أو شيدتها الحكومات المتعاقبة. قيمة الأوطان تُقاس بكرامة الإنسان، وسيادة القانون، وعدالة الدولة، لا بالإسمنت وحده. فالمدن يمكن إعادة إعمارها، أما الأرواح التي أزهقتها الحرب فلا يمكن تعويضها.
إن من يريد محاسبة المسؤولين عن النهب أو التخريب يجب أن يطالب أيضًا بمحاسبة كل من أسهم في إشعال الحرب أو إطالة أمدها أو جعل المدنيين وقودًا لها. فالعدالة لا تكون بانتقاء الوقائع، ولا بتوظيف المآسي لخدمة الدعاية السياسية.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتبادل الاتهامات، بل يحتاج إلى خطاب يعترف بأن استمرار الحرب هو أصل الكارثة، وأن حماية الإنسان وإيقاف القتال وبناء دولة القانون هي البداية الحقيقية لأي مستقبل يستحقه السودانيون.




