الحق في السكن والتعليم والصحة والخدمات الأساسية في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان
دكتور جعفر
الحق في السكن والتعليم والصحة والخدمات الأساسية في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان
إن السكن اللائق، والتعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية الأساسية ليست امتيازات تمنحها السلطات وفقًا للسياسات أو الاعتبارات السياسية، وإنما تمثل حقوقًا اقتصادية واجتماعية أساسية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بكرامة الإنسان وحقه في العيش في ظروف إنسانية لائقة.
وقد أقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا المبدأ بصورة واضحة؛ إذ تنص المادة (25) على حق كل إنسان في مستوى معيشي كافٍ لضمان الصحة والرفاه له ولأسرته، بما يشمل الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية. كما تنص المادة (26) على أن لكل شخص الحق في التعليم، وأن التعليم الابتدائي والأساسي يجب أن يكون متاحًا ومجانيًا وفقًا لما حددته المادة.
كما تؤكد المادة (22) من الإعلان العالمي أن لكل إنسان، بوصفه عضوًا في المجتمع، الحق في الضمان الاجتماعي وفي التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته. وتؤكد المادة (28) حق كل فرد في نظام اجتماعي ودولي يمكن في ظله إعمال الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان إعمالًا كاملًا.
وتكتسب هذه الحقوق قوة قانونية أكثر تحديدًا من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 ودخل حيز النفاذ عام 1976.
فبموجب المادة (2/1) من العهد، تلتزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة، وبأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، من أجل التحقيق التدريجي الكامل للحقوق الواردة في العهد. والأهم أن المادة (2/2) تلزم الدول بضمان ممارسة هذه الحقوق دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو المولد أو أي وضع آخر.
وفيما يتعلق بالسكن، تنص المادة (11/1) من العهد على اعتراف الدول بحق كل شخص في مستوى معيشي ملائم له ولأسرته، بما في ذلك الغذاء والملبس والمسكن الملائم، والتحسين المستمر لظروف المعيشة. وهذا يعني أن السكن لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مأوى، وإنما باعتباره أحد المقومات الأساسية للعيش الكريم.
أما في مجال الصحة، فإن المادة (12) من العهد تقر بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية، وتُلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة للوقاية من الأمراض وعلاجها ومكافحتها، وتحسين الظروف الصحية والبيئية، وضمان توافر الرعاية والخدمات الطبية عند المرض. كما أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن عدم التمييز والمساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية من المبادئ الأساسية للحق في الصحة.
وفي مجال التعليم، تنص المادة (13) من العهد على اعتراف الدول بحق كل شخص في التعليم، وأن يكون التعليم موجهًا نحو التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما تلزم المادة الدول بجعل التعليم الابتدائي إلزاميًا ومتاحًا مجانًا للجميع، والعمل على إتاحة التعليم الثانوي والفني والمهني، وجعل التعليم العالي متاحًا على أساس القدرة والاستحقاق.
وعليه، فإن حرمان أي مجتمع من السكن الملائم أو التعليم أو الرعاية الصحية أو الخدمات الاجتماعية الأساسية، أو التمييز في الحصول عليها بسبب الأصل الاجتماعي أو العرقي أو القومي أو أي وضع آخر، لا يمكن اعتباره مجرد تفاوت في مستوى الخدمات، متى كان الحرمان قائمًا على تمييز محظور أو أدى إلى إقصاء منهجي من الحقوق؛ بل قد يشكل انتهاكًا لالتزامات حقوق الإنسان المقررة بموجب الصكوك الدولية ذات الصلة.
وبناءً على ذلك، فإن حماية هذه الحقوق تقتضي من الدولة احترامها وحمايتها وإعمالها دون تمييز، واتخاذ تدابير تشريعية وإدارية ومالية وسياسات عامة تكفل وصول جميع السكان، ولا سيما الفئات المهمشة والضعيفة، إلى السكن والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية على قدم المساواة.
وفي سياق المجتمعات المهمشة، فإن معيار حقوق الإنسان لا يقتصر على مجرد توفير الخدمات بصورة عامة، وإنما يشمل أيضًا المساواة وعدم التمييز، وإمكانية الوصول، والقدرة على تحمل التكلفة، والملاءمة، والمشاركة الفعالة للمجتمعات المتأثرة في القرارات التي تمس حياتها وحقوقها الأساسية.




