اتفاقيات جنيف الأربع في ذكراها الـ77: امتحان الانسانية ونداء السلام العاجل للسودان
مقال ادم راشد المحامي
حين تتهاوى الحصون وتشتعل نيران النزاعات، لا يبقى للإنسان المتروك في مهب الموت سوى خيط رفيع من الضمير العالمي، ممثلاً في قواعد القانون الدولي الإنساني. هذا الفرع العريق من القانون الدولي العام لم يُصغ ترفاً نظرياً، بل وُلد من رحم المآسي والركام، وتوجته اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية ليكون الحصن الأخير الذي يحمي المدنيين، ويخفف قسوة الحرب، ويرسم حدوداً فاصلة بين تنظيم القتال والانحدار المطلق نحو همجية الغاب.
تقوم الفلسفة الجوهرية لاتفاقيات جنيف على مبدأ لا يقبل المساومة: الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، ومن ألقوا السلاح، و المرضى والجرحى، وكل من باتوا خارج دائرة القتال، لهم حق خالص في الحياة والكرامة والاحترام،
وتتوج هذه الفلسفة قواعد عرفية آمرة (Jus cogens)تعلو على إرادة الدول واتفاقاتها؛ فلا يجوز التحلل منها، ولا يُقبل الاستثناء في تطبيقها، بغض النظر عن طبيعة الصراع أو مشروعية الأسباب التي دعت إليه. من هنا، جاءت جنيف الأربع لترسم حدوداً صارمة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً:
. ـ الجرحى والمراجع في القوات المسلحة في الميدان (الاتفاقية الأولى )
ـ الجرحى والمرضى والغرقى من القوات المسلحة في البحار (الاتفاقية الثانية).
ـ أسرى الحرب، وضمان معاملتهم الإنسانية وحقهم في التواصل والرعاية وعدم التعرض للتعذيب (الاتفاقية الثالثة).
اليوم الموافق 12/اغسطس 2026 تحل علينا الذكرى السنوية السابعة والسبعين لاتفاقيات جنيف لتضعنا أمام مسؤوليتنا الإنسانية والتاريخية الكبرى، تذكيراً بأن الفلسفة الجوهرية لهذه المواثيق تقوم على مبدأ لا يقبل المساومة: الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، والجرحى، والمرضى، وكل من ألقوا السلاح، لهم حق مقدس في الحياة والكرامة، وهي قواعد عرفية آمرة تعلو على إرادة الأطراف ولا يجوز التحلل منها تحت أي ظرف عسكري أو أمني.
غير أن التأمل في هذه المبادئ العظيمة يصطدم بواقع مرير تعيشه العديد من الساحات، وفي مقدمتها وطننا الحبيب السودان. فبين النصوص الراسخة لاتفاقيات جنيف وانتهاكات الميدان، تتسع الهوة يوماً بعد يوم، ليشهد المدنيون الأبرياء أهوال التهجير، وفقدان الأرجل والأحباء، وتدمير البنى التحتية والمستشفيات، في ظل إفلات شبه تام من العقاب وغياب آليات الردع الحقيقية. إن الانتهاكات المستمرة للهدن والقواعد الإنسانية في النزاع السوداني تكشف عن اختبار وجودي قاسٍ للمجتمع الدولي، وتؤكد أن النصوص وحدها لا تحمي إنساناً ما لم تتوفر الإرادة السياسية الصارمة لإنفاذها ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
إن الاحتفاء بهذه الذكرى العالمية ليس مجرد طقس دبلوماسي أو تكرار لخطابات إنشائية، بل هو صرخة إنسانية متجددة للعودة إلى العقل والقانون. ونحن نستحضر هذه المعايير الدولية، تتوجه القلوب والأقلام قبل كل شيء نحو جراحنا النازفة في السودان، متضرعين إلى المولى عز وجل أن تتوقف هذه الحرب العبثية فوراً، وأن يعود السودان الحبيب واحة أمن واستقرار، خالياً من الحروب والنزاعات.
إن وطننا الغالي، بتاريخه العريق الممتد وحضارته وإنسانه الأبيّ الصابر، لا يستحق هذا الدمار، بل يستحق أن يستعيد عافيته ومكانته. إن غايتنا الكبرى اليوم هي أن تضع الحرب أوزارها، لتفسح المجال واسعاً أمام السلام العادل والمستدام، وأمام مرحلة جديدة من البناء والإعمار، ترتكز على دعائم العدالة الانتقالية التي تُنصف الضحايا وتجبر ضررهم، وتُعلي سيادة حكم القانون فوق كل صوت يعلو بسلاح الغلبة.
ستبقى اتفاقيات جنيف منارة أخلاقية تذكر العالم بأن الإنسانية يجب أن تظل حية حتى في أشد لحظات الصراع قسوة، ويبقى أملنا راسخاً في أن تنتهي مأساة السودان، لينهض الوطن من ركام الحرب أكثر قوة ومنعة وعدالة.




