حقيبة لا تتسع للوطن
الكاتب/ ايوب محمد عبد الرحمن
حقيبة لا تتسع للوطن
الكاتب/ ايوب محمد عبد الرحمن
في صباحٍ ثقيل من صباحات دارفور، استيقظت مريم على أصواتٍ لم تعرفها من قبل: صراخٌ متقطع، خطواتٌ مسرعة، ونداءات الجيران وهم يطلبون من بعضهم الهروب قبل أن يصبح الطريق مغلقًا.
لم يكن أمامها وقت لتفكر. حملت طفلها الصغير بيد، وأمسكت بيد ابنتها ذات الأعوام السبعة باليد الأخرى. فتحت خزانة صغيرة كانت تحتفظ فيها بثياب العيد، وصور زفافها، وبعض الأوراق المهمة، لكنها سرعان ما أدركت أن حقيبة واحدة لا يمكن أن تتسع لكل ما يعنيه الوطن.
وضعت فيها شهادة ميلاد الأطفال، قليلًا من الدقيق، زجاجة ماء، وثوبًا خفيفًا. أما صور الأسرة فقد بقيت معلقة على الجدار، إلى جانب لعبة ابنها الخشبية، ودفتر ابنتها المدرسي الذي كتبت في صفحته الأولى: “أريد أن أصبح طبيبة”.
سارت مريم مع مئات الأسر تحت الشمس. لم يكن أحد يعرف إلى أين يتجه بالضبط، لكن الجميع كان يعرف شيئًا واحدًا: البقاء لم يعد ممكنًا. في الطريق، فقدت امرأة عجوز ابنها وسط الزحام، وبكى أطفال من العطش، وتوقف رجال كثيرون عند كل صوت خلفهم خوفًا على من تركوهم وراءهم.
بعد أيام وصلت مريم إلى موقع للنزوح. كان المكان مزدحمًا بالخيام المصنوعة من المشمعات والأقمشة القديمة. لم تكن هناك غرفة تحمي الأطفال من البرد ليلًا أو من الحر نهارًا، ولم يكن الماء كافيًا للجميع. وقفت في طابور طويل للحصول على الطعام، وهي التي كانت قبل أسابيع تزرع في أرضها وتحصد ما يكفي أسرتها وجيرانها.
سألتها ابنتها في أول ليلة:
“متى سنعود إلى بيتنا يا أمي؟”
لم تجد مريم جوابًا. احتضنتها فقط وقالت:
“سنعود عندما يصبح الطريق آمنًا.”
لكن الأيام تحولت إلى شهور، والشهور إلى سنوات. كبرت الابنة في المخيم، وأصبح سؤال العودة أقل تكرارًا، ليس لأنها نسيت البيت، بل لأنها بدأت تخاف أن يكون قد اختفى. ومع ذلك، لم تفقد مريم الأمل. كانت تجمع النساء كل عصر لتعليمهن الخياطة، وتساعد الأطفال على القراءة بما توفر من دفاتر وأقلام.
كانت تقول لهن: “النزوح أخذ منا البيوت، لكنه لا يجب أن يأخذ منا القدرة على البدء من جديد.”
هذه القصة تمثل واقع آلاف الأسر النازحة التي لا تحتاج إلى الطعام والمأوى فقط، بل تحتاج إلى الأمان، والتعليم، والرعاية الصحية، والكرامة، وفرصة حقيقية لاستعادة حياتها.




