اخبار السوداناخبار المنظماتتحقيقات
أخر الأخبار

خريطة الخديعة ومأزق الانتقال: كيف أجهضت “الدولة العميقة” ثورة ديسمبر، وكيف نُحصّن مستقبل السودان من مكر الحركة الإسلامية..(8)

ادم راشد المحامي

حين التفّ ملايين السودانيين حول سور قيادة جيشهم في ملحمة ثورة ديسمبر المجيدة، ظن الشعب أن أزقّة الاستبداد قد أُغلقت للأبد، وأن “عقيدة المكر السياسي” التي أدمنتها الحركة الإسلامية وواجهاتها طوال ثلاثة عقود قد طُويت في صفحة الماضي. غير أن التجربة المرة أثبتت أن التنظيم الحزبي الأيديولوجي، المتمثل في فلول النظام البائد وشبكات “الدولة العميقة”، وكتائب ظله، وخلاياه السرطانية المتغلغلة في مفاصل القوات النظامية، لم يقر بالهزيمة يوماً، بل بدأ منذ اللحظة الأولى هندسة استراتيجية إجهاض الثورة في مهدها.

إن تتبع حلقات هذه المؤامرة المنهجية يكشف عن سلسلة متصلة من الخيانات والتقويض المبرمج: ابتداءً من مجزرة فض اعتصام القيادة العامة — التي اعترفت بها القيادة العسكرية علناً على لسان الفريق شمس الدين كباشي بمشاركة كافة القوات النظامية — مروراً بتواطؤ قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة من داخل مكتبه لإدارة الأزمات المفتعلة (كإغلاق ميناء بورسودان، واعتصام الموز، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021 وقمع المتظاهرين)، وصولاً إلى التكالب الخبيث لإجهاض “الاتفاق الإطاري” الذي رلعته الآلية الرباعية، وإشعال الحرب العبثية الراهنة لقطع الطريق نهائياً أمام أي تحول ديمقراطي.

فما هي دروس هذا المكر التاريخي؟ وكيف يمكن تفكيك هذه الشبكات الإجرامية؟ وما هي الوصفة العملية لضمان ألا يتكرر هذا الكابوس في مسارات السلام والعدالة الانتقالية المقبلة؟

أولاً: تشريح مكر الحركة الإسلامية.. حلقات الإجهاض الممنهج

لقد أدارت شبكات الدولة العميقة معركتها ضد ثورة ديسمبر وفق عقيدة أمنية قوامها “التمكين المضاد وإحراق الوطن إن لم يبقى تحت سيطرتهم”. وقد مرت هذه الاستراتيجية بثلاث محطات مفصلية:

ـ عقيدة الفض والترهيب (مجزرة القيادة العامة): لم تكن مجزرة الفض مجرد إجراء أمني أهوج، بل كانت “رسالة إبادة” متعمدة لكسر الإرادة الشعبية ووأد حلم الدولة المدنية عبر ترهيب الشارع وإعادة فرض الهيمنة العسكرية المتحالفة مع الفلول.

ـ استراتيجية التخريب من الداخل (عصا الدولة العميقة): بعد التوقيع المتردد على الوثيقة الدستورية، استخدمت القوى المضادة أدوات اقتصادية واجتماعية ضاغطة (إغلاق الميناء، وافتعال الأزمات المعيشية، وتأجيج النعرات القبلية) لإثارة السخط الشعبي وتبرير الانقلاب العسكري.

ـ تفجير العملية السياسية والحرب الكارثية (انقلاب أكتوبر وإجهاض الإطاري): عندما وجدت تلك الفلول أن الضغط الشعبي والدولي (عبر الرباعية والاتفاق الإطاري) يتجه نحو تسليم السلطة للمدنيين وتفكيك معاقل التمكين، لم تتردد في دفع البلاد نحو أتون حرب عبثية شاملة، متخذاً من الجيش وسيلة لتدمير البنية التحتية للدولة لضمان عدم قيام أي نظام ديمقراطي مستقبلي.

ثانياً: كيف نتحرر من هذا البلاء ونحصن المستقبل؟

إن التعامل مع إرث الحركة الإسلامية والدولة العميقة لا يمكن أن يتم عبر تسويات سياسية هشة أو “عفو مجاني”، بل يتطلب جراحة استئصالية تتأسس على الآليات التالية:

تفكيك البنية الاقتصادية والأمنية للفلول: إن نزع سلاح الدولة العميقة يبدأ بتجفيف منابعها المالية، وحل كافة الواجهات الحزبية والكتائب العقائدية والمليشيات الموازية، وإخضاع كافة القوات النظامية لسلطة مدنية ديمقراطية كاملة دون استثناء.

العدالة الانتقالية كدرع واقٍ: لا يمكن بناء سلام مستدام دون محاسبة صارمة لكافة المتورطين في جرائم فض الاعتصام، والانقلاب، وإشعال الحرب الراهنة. العدالة هي التي تكسر شوكة الإفلات الأبدي من العقاب.

العقيدة العسكرية المهنية: إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية على أساس وطني مهني دستوري، بعيداً عن الولاءات الحزبية والأيديولوجية الضيقة التي اخترقت المؤسسة العسكرية لعقود.

ثالثاً: نتائج وتوصيات علمية وواقعية للعبور الديمقراطي

بناءً على قراءة هذه التجربة المريرة، نخلص إلى التوصيات الاستراتيجية التالية:

ـ رفض المساومة على تفكيك التمكين: أي عملية سياسية مستقبلية تتجاهل تفكيك شبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة ستكون حتماً “انقلاباً مؤجلاً .”

ـ الشفافية المطلقة والضمانات الدولية: ربط أي اتفاق سلام أو تسوية مستقبلية بمراقبة إقليمية ودولية صارمة تمنع التفاف الفلول من خلف الكواليس.

صياغة دستور مدني يحصن الديمقراطية: تضمين الوثائق الدستورية المقبلة نصوصاً صريحة تجرم العمل الحزبي داخل المؤسسات العسكرية وتمنع عودة رموز النظام المباد للحياة السياسية.

خاتمة: عهد الأحرار.. حين ينتصر الوعي على الظلام

إن الدماء الذكية التي سالت على أسفلت الشوارع، وأنات النازحين واللاجئين في محارق الحرب الراهنة، ليست ثمناً رخيصاً لعبث العابثين، بل هي الضريبة القاسية لمخاض ميلاد أمة جديدة. لقد أثبتت تجربة السودان أن الاستبداد لا يرحل بالطيبة، وأن الثورات التي لا تحمي نفسها بالقانون والعدالة واليقظة تلتهمها ذئاب الدولة العميقة.

ولكن، مهما بلغ مكر الفلول ومهما اشتدت ظلمة النفق، فإن إرادة الشعب السوداني وشبابه الباسل أصلب من آلات الحرب والخديعة. إن غد السودان الديمقراطي العادل قادم لا محالة، متى ما أدرك الأحرار أن حراسة الثورة أوعى من الثورة نفسها، وأن الحقيقة والعدالة هما الحصن الأبدي لجمهورية لا تكسرها ريح الطغيان. . ونلتقي في الحلقة القادمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى