اخبار السوداناخبار المنظمات
أخر الأخبار

من سربرنيتسا في البوسنة إلى السودان: دروس العدالة الدولية في ملاحقة الجرائم الجماعية

تحقيق خاص

في السابع والعشرين من أغسطس 2026، أُغلق الجناح الطبي بسجن لاهاي على جثة راتكو ملاديتش. مات القائد العسكري السابق لصرب البوسنة عن ثلاثة وثمانين عامًا، مكملًا عقوبة السجن المؤبد، ليُطوى جثمانه بعيدًا عن أرض البوسنة التي شهدت أهوال مجزرة سربرنيتسا عام 1995. لكن في ذات اللحظة التي كان يُرفع فيها جثمانه، كانت خيام النازحين بشرق تشاد تنفض غبار الصحراء الممزوج بصفير رصاص حرب السودان. هناك، لا تبدو العدالة مفهومًا مجردًا في قاعات لاهاي، بل سباقًا مضنيًا ضد المحو والمقابر الجماعية التي تتسع كل يوم.

تطوي وفاة ملاديتش صفحة واحد من أعتى المطلوبين في قضايا الإبادة الجماعية، لكنها تفتح باب الأسئلة الكبرى أمام الحاضر السوداني؛ فبينما يُسدل الستار على مسيرة العنف الجماعي في البلقان، تشهد الحرب السودانية المشتعلة منذ أبريل 2023 سقوط آلاف الضحايا وتشريد الملايين، وسط تقارير متزايدة عن انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

سربرنيتسا: الطريق الطويل نحو القصاص

في تموز/يوليو 1995، سقطت سربرنيتسا التي أعلنتها الأمم المتحدة “منطقة آمنة”. خلال أيام قليلة، نُفذت عمليات إعدام منهجية طالت أكثر من ثمانية آلاف رجل وصبي من مسلمي البوسنة، وحُفرت الأرض لإخفاء أشلائهم في مقابر جماعية أُعيد نبشها ونقلها مرارًا لدفن الأدلة.

لم تكن المحاكمة التي استمرت عقودًا مسارًا يسيرًا؛ إذ فر ملاديتش ستة عشر عامًا بفضل شبكات حماية ورعاية رسمية، قبل أن يسقط في قرية صربية عام 2011 باسم مستعار وملامح متغيرة. وكانت إدانته عام 2017 بالسجن المؤبد، وتأكيدها عام 2021، نتاج أربعة عوامل حاسمة:

* الأثر المادي الناطق: صور الأقمار الصناعية، والسجلات العسكرية، والأشلاء التي استُخرجت من عمق الأرض لتشكل قاعدة أدلة لا تقبل الدحض.

* عقدة الذنب الغربية: شعور المجتمع الدولي بالتواطؤ نتيجة التقاعس عن حماية “المنطقة الآمنة” تحول لاحقًا إلى دعم سياسي ومالي سخي للمحاكمة.

* المساومة السياسية: رغبة بلغراد في التخلص من إرث العقوبات والتقرب من الاتحاد الأوروبي، ما دفعها لتسليم المطلوبين.

 * استقلالية الادعاء: رفض المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة أي تسويات سياسية على حساب المساءلة الجنائية.

دروس للملف السوداني: مقارنة في مهب الواقع

يطرح المشهد السوداني اليوم تساؤلًا حرجًا حول مدى إمكانية استلهام التجربة البوسنية. تتشابه الجراح في عدة نقاط؛ فالتوثيق في السودان بدأ مبكرًا رغم مخاطر الوصول الميداني، والعنف المتفجر يتغذى على الاستهداف المنهجي على أساس الهوية – كما حدث في دارفور والفاشر – إضافة إلى تعقيد ترتيب المسؤولية القيادية عن الانتهاكات.

لكن الاختلافات البنيوية تكشف عن حدود هذه المقارنة:

* الوزن الجيوسياسي: حظيت البوسنة باهتمام أمني مباشر لقربها من العمق الأوروبي، بينما يعاني السودان من تذبذب الأولويات الدولية وتشتت الاهتمام العالمي.

* طبيعة النزاع: كان الصراع البوسني يدور بين كيانات محددة نسبيًا، بينما يتسم النزاع السوداني بتشظٍ واسع وتعدد للفاعلين المسلحين وتداخل للأنشطة الإجرامية.

* غياب الشريك الوطني: أدى التغيير السياسي في صربيا إلى التعاون مع العدالة الدولية، بينما يفتقر السودان حالياً لسلطة موحدة أو بيئة مؤسسية تتيح تسليم المتهمين أو فتح الأرض للتحقيقات الميدانية.

الملفات السودانية: بين إرث قديم ونزاع مستمر

لا يبدأ ملف العدالة الدولية في السودان مع حرب 2023؛ فمنذ القرار 1593 الصادر عن مجلس الأمن عام 2005 بإحالة وضع دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، صدرت أوامر قبض بحق مسؤولين سابقين أبرزهم عمر البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين. غير أن تنفيذ تلك الأوامر ظل معطلاً باستثناء محاكمة (علي كوشيب) الجارية منذ 2022 في 31 تهمة تتصل بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ومع اندلاع القتال الأخير، امتدت سجلات الانتهاكات لتشمل عمليات قتل جماعي، وعنفًا جنسيًا ممنهجًا، وتشريدًا قسريًا طال أكثر من ثمانية ملايين شخص، وتدميرًا للبنية التحتية. وتواصل بعثة تقصي الحقائق المستقلة والمحكمة الجنائية الدولية جمع الأدلة، إلا أن الوصول للعدالة يصطدم بتحديات بنيوية تتصل بصعوبة إثبات “القصد الجنائي الخاص” للإبادة الجماعية، وطول سنوات الإجراءات التي تستهلك ذاكرة الضحايا، والمقايضات المستمرة بين تقديم أولوية وقف إطلاق النار أو إنفاذ القانون.

أصوات من الميدان

بين الخيام المتهالكة على الحدود السودانية التشادية، تلخص النازحة (ع. إ.) من مدينة الفاشر المعاناة قائلة:

 “نحن لا نطلب المعجزات، كل ما نريده أن يعرف العالم ما حدث لنا وأن يُحاسَب من دمروا حياتنا. إن لم يحدث هذا اليوم، قد يحدث غدًا، لكن الفاجعة الحقيقية هي أن نُنسى.”

•

من جانبه، يؤكد المحامي المتخصص في القانون الدولي (ع. م.) على حتمية التوثيق المنهجي، موضحًا:

“تعلمنا التجربة البوسنية أن العدالة ممكنة حتى بعد عقود، بشرط توفر أساس صلب من الأدلة. المشكلة في السودان أن الكثير من الأدلة تضيع يوميًا بسبب غياب آليات الحماية الكافية للضحايا والشهود.”

•

فيما ترى الباحثة في شؤون العدالة الانتقالية (س. أ.) أن المحاكم الدولية لا تكفي بمفردها، مشيرة إلى:

“نحتاج إلى مقاربة متعددة المسارات تشمل الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي. العدالة ليست مجرد أحكام قضائية تصدر في لاهاي، بل عملية إعادة بناء شاملة لسيادة القانون.”

متطلبات عملية لحماية المسار العدلي

لضمان عدم الإفلات من العقاب، تتلخص الأولويات العملية المتاحة أمام الفاعلين المحليين والدوليين في الخطوات التالية:

* تأمين البنية التحتية للتوثيق: دعم الجهات الميدانية بتقنيات التشفير وتأمين قواعد البيانات وحماية الشهود.

* إنشاء آلية دولية محايدة: تأسيس آلية مستقلة لجمع الأدلة وحفظها على غرار النموذج المُتبع في النزاع السوري، لتكون جاهزة للمحاكمات المستقبلية.

* تفعيل الاختصاص القضائي العالمي: تحريك الدعاوى القضائية في الدول التي تسمح قوانينها الوطنية بملاحقة المشتبه بارتكابهم جرائم دولية.

* دمج المساءلة في التسويات: اشتراط وجود بنود واضحة للعدالة والشفافية في أي اتفاق سياسي أو مفاوضات لوقف الحرب.

إن الصمت الذي خيّم على زنزانة راتكو ملاديتش بعد وفاته ليس مجرد نهاية لرمز من رموز العنف، بل تذكير بأن الحصانة السياسية والزمن لا يحميان مرتكبي الجرائم الجماعية للابد. في سربرنيتسا، بدأ جمع العظام والشهادات تحت وابل الرصاص، وتلك البداية المبكرة هي التي جعلت المحاكمة ممكنة بعد عقود.

وفي السودان، يخوض الناجون والموثقون ذات السباق؛ لأن الجريمة التي لا تُوثّق في لحظتها تتحول مع الوقت إلى مجرد غبار في ذاكرة مفقودة.

ملاحظة منهجية:

اعتمد هذا التحقيق على مراجعة وثائق المحكمة الجنائية الدولية وآلية تصريف الأعمال في لاهاي، وتقارير بعثة تقصي الحقائق الأممية، إضافة إلى مقابلات ميدانية وعبر وسائل اتصال آمنة أُجريت بين يناير وأغسطس 2026 مع شهود وخبراء. حُفظت أسماء المصرحين بالأحرف الأولى بناءً على طلبهم ولدواعٍ أمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى