المفتاح الذي لم يعد يفتح الباب الكاتب/ ايوب محمد عبد الرحمن
الكاتب/ ايوب محمد عبد الرحمن
لم تحمل مريم من بيتها في إحدى قرى دارفور سوى حقيبة قماش صغيرة، وثوب احتياطي، ومفتاح حديدي قديم.
حين بدأ إطلاق النار قرب القرية، لم تفهم في البداية ما يحدث. كانت تعد العصيدة للأطفال، بينما كان زوجها خارج البيت يبحث عن حماره الذي اختفى منذ الصباح. ثم جاء صوت جارتها وهي تصرخ من خلف السور:
“أطلعوا… أطلعوا بسرعة!”
تركت مريم الطعام على النار، أمسكت بيد ابنتها الصغيرة، وحملت طفلها الرضيع على ظهرها. ركضت مع الناس نحو الوادي، لا تعرف إلى أين تذهب، ولا إن كانت ستعود. خلفها بقي البيت: الجدران الطينية التي بنتها مع زوجها عاماً بعد عام، شجرة الهجليج، جرّة الماء، ودفتر ابنها الأكبر الذي كان يتعلم فيه كتابة اسمه.
في الطريق، افترقت عن زوجها.
لم يكن هناك وقت للسؤال أو البحث. كان الناس يركضون في اتجاهات مختلفة، والأصوات تأتي من بعيد ثم تقترب، والسماء تمتلئ بدخان أسود. في تلك اللحظة، لم تكن مريم تفكر في شيء سوى أن يصل أطفالها إلى مكان آمن.
بعد يومين من المشي، وصلت إلى أطراف معسكر مزدحم بالنازحين. كانت قد فقدت حذاءها، وأصيبت قدماها بالجروح، ولم يبق في الحقيبة سوى زجاجة ماء فارغة. أعطاها رجل لا تعرفه قليلاً من الماء، ثم دلّها على مكان تحت شجرة لتجلس مع أطفالها.
في الليل، سألها ابنها الأكبر:
“يمّه، أبوي حيلحقنا؟”
لم تجبه. ضمته إلى صدرها، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً:
“إن شاء الله يا ولدي… إن شاء الله.”
مرّت الأيام، ثم تحولت إلى أسابيع. كانت مريم تقف في صف طويل للحصول على الطعام والماء، وتحاول أن تبدو قوية أمام أطفالها. لكن قوتها كانت تنكسر كلما رأت طفلاً ينادي أمه، أو امرأة تحمل صورة لرجل مفقود، أو شيخاً يجلس في صمت وينظر إلى الطريق كأنه ينتظر قرية كاملة أن تعود.
ذات صباح، وجدت ابنتها الصغيرة المفتاح الحديدي داخل الحقيبة.
سألتها ببراءة:
“يمّه، المفتاح ده حق شنو؟”
أخذته مريم بين أصابعها. كان صدئاً قليلاً، وثقيلاً أكثر مما ينبغي. نظرت إليه طويلاً، ثم قالت:
“ده مفتاح بيتنا.”
قالت الطفلة:
“نمشي نفتحه متين؟”
لم تجد مريم جواباً. لم تكن تعرف إن كان البيت ما زال قائماً، أو إن كانت القرية بقيت كما هي، أو إن كان زوجها حياً في مكان ما يبحث عنهم كما يبحثون عنه.
أغلقت يدها على المفتاح، ووضعت الحقيبة قرب رأسها. وفي تلك الليلة، نام الأطفال بسرعة من التعب، بينما بقيت هي مستيقظة.
كانت تسمع في المعسكر أصواتاً كثيرة: بكاء طفل، سعال رجل مسن، امرأة تنادي باسم قريب غائب، وشاحنة تمر في الطريق حاملة مساعدات لا تكفي الجميع.
أما هي، فكانت تسمع صوتاً آخر لا يسمعه أحد: صوت باب بيتها القديم، وهو يُغلق خلفها للمرة الأخيرة.




