اخبار السوداناخبار المنظماتتحليلات وتقارير
أخر الأخبار

"مأساة إنسان دارفور"

بقلم الكاتب سيف الدين آدم أحمد (ديفيد)

“مأساة إنسان دارفور”

بقلم الكاتب سيف الدين آدم أحمد (ديفيد)

 

في دارفور، لا تقاس المأساة بعدد الأيام التي مرت تحت أمسيات مثقلة بالمخاوف، ولا بعدد البيوت التي أغلقت أبوابها على عجل، ولا بعدد الطرق التي صار عبورها محفوفًا بالقلق.

 

مأساة دارفور أعمق من ذلك كله؛ إنها حكاية إنسان أُرهق من انتظار السلام، لكنه لم يتخلّ عن حلمه في أن يعيش حياة عادية آمنة وبكريمة. هناك، حيث تمتد الأرض واسعة بين الجبال والسهول، كان الإنسان يعيش تفاصيله البسيطة: يزرع أرضه، يرعى مواشيه، يذهب إلى سوقه ويعود إلى أسرته عند المساء. كانت الحياة، رغم قسوتها، تحمل شيئًا من الطمأنينة. ثم جاءت سنوات النزاع فتغيرت ملامح المكان وتبدلت علاقة الإنسان بأرضه وبيته وطريقه.

أصبح الرحيل أحيانًا قدرًا لا اختيارًا، وصار النزوح ذاكرة مشتركة لملايين الناس. يحمل الإنسان ما استطاع من أشيائه، تاركًا خلفه بيتًا بناه بيديه وحقلًا يعرف تفاصيله وقبرًا لأحد أحبته وذكريات عمر كامل. فجأة يمضي إلى مكان آخر لا يحمل معه سوى الأمل وبعض الخوف، متسائلًا في داخله: متى تكون العودة؟

أنا عزيزي القارئ في مخيمات النزوح، تكبر الأسئلة مع الأطفال. طفل لم يعرف من الوطن سوى الخيمة وأم تحاول أن تصنع من القليل حياة تشبه الحياة وأب يحمل في عينيه حكايات كثيرة لا يجد الكلمات الكافية لروايتها ومع ذلك يستمر الناس في مقاومة اليأس يفتحون المدارس حين يستطيعون، يبحثون عن العلاج، يزرعون ما يمكن زراعته وامتصاح الطبيعية تحاربهم ويتشبثون ببعضهم البعض وكأن التضامن هو آخر ما تبقى لهم من جدار يحميهم من الانكسار.

 

إن مأساة إنسان دارفور ليست في الفقر وحده ولا في النزوح وحده ولا في فقدان الأمن وحده؛ بل في أن يصبح الإنسان مضطرًا للدفاع عن أبسط حقوقه: حقه في الحياة والأمان والأرض والتعليم وفي أن يحلم بمستقبل لا يخاف فيه على أطفاله. لكن دارفور ليست أرض المأساة فقط، إنها أيضًا أرض الصمود ففي كل قرية أو ريف إن وجدت تعود إليها الحياة وفي كل طفل يحمل كتابه رغم الظروف وفي كل أم تزرع الأمل في قلب أبنائها، هناك إعلان صامت بأن الإنسان أقوى من الحرب وأن الذاكرة لا تموت وأن الكرامة لا تهزم بسهولة.

 

إن إنسان دارفور لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى العدالة لا يريد أن يكون رقمًا في تقارير النزوح إلا أن التوثيق أهم من كل شيء حفظ ذاكرة المجتمعات ولا صورة عابرة في نشرات الأخبار إلا أن المناصرة تسلط الضوء للتطور، بل دارفور يريد أن يرى كإنسان كامل الحقوق، له أرض وذاكرة ومستقبل ومهما طال ليل الحرب يبقى الأمل ممكنًا فالأوطان لا تبنى بالخوف ولا تستعاد بالكراهية وإنما تبنى بالعدالة والسلام والمساواة وبإرادة أناس يؤمنون بأن اختلافهم يمكن أن يكون مصدر قوة لا سببًا للصراع هذه حكاية إنسان دارفور إنسان أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد إنسانيته خسر الكثير، لكنه ما زال يحلم، تألم كثيرًا لكنه لا يزال يبحث عن وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى