هل سيُقدم الأستاذ نبيل أديب الرأي القانوني السليم لقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان قبل فوات الأوان (١) .
بقلم الصادق علي حسن .
حينما تأسس محامو دارفور في عام ١٩٩٥م كان الأستاذ نبيل أديب من الذين قدموا مساهمات معتبرة لمحامي دارفور ، كما وكان من المحامين المخضرمين الذين شاركوا في ورش عملها التدريبية بلا مقابل ، كما وفي بعض أنشطتها التدريبية خارج السودان هو وأساتذتنا الكبار المغفور لهم بإذن الله تعالى فاروق أبو عيسى ود.أمين مكي مدني وطه إبراهيم وكمال الجزولي ، ولا أزال اتذكر قبل وفاة أستاذنا المحترم فاروق أبوعيسى ، وكنت أتردد عليه بلا انقطاع حتى قبيل وفاته ، وقد تولى الأستاذ فاروق أبو عيسى منصب رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور لدورتين متتاليتين أن سألني في الأسبوع الآخير قبل وفاته عن رؤية أعضاء الهيئة حول مساهمات الأستاذ نبيل أديب ، فقلت له الهيئة استفادت من مساهمات الأستاذ نبيل أديب ، ولكن الموقف الذي ظل يتبناه عن التأسيس الدستوري يخالف رؤية الهيئة. لا شك أن المتتبع لمساهمات الأستاذ نبيل أديب يجده قد ساهم في الوثيقة الدستورية المعيبة لسنة ٢٠١٩م والتي عطلت استعادة الحياة الدستورية للبلاد وقننت لمشاركة القوات المسلحة في الأعمال السياسية والتنفيذية بالمخالفة لقانون قوات الشعب المسلحة، كما لا يزال الأستاذ نبيل أديب يساهم في تسخير خبراته القانونية في تمكين ما تم تسميته بالمكون العسكري على السلطة في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد وقد تحولت قيادات الجيش إلى أطراف في الصراع السياسي الدائر على السلطة، ولكن مهما كانت الرؤى حول مساهمات الأستاذ نبيل أديب (سلبا أو إيجابا) فهو يتميز بسعة الإطلاع القانوني وكتاباته الراتبة في الصحف قبل إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م ، كما وفي ظل حكومتها مثل مقالاته بصحيفة الأيام ، وممارسته التثقيف القانوني من خلال المنابر وورش العمل ، وقد يكون من القلائل من بين الأقباط السودانيين ممن اختاروا خوض غمار المساهمة الوطنية في مضمار العمل السياسي وشؤون الحكم وإدارة الدولة في خلال السنوات الآخيرة ، وظلت مساهماته من باب الفكر والرأي في أجواء كثرت وتعددت فيها الأنشطة المسلحة . إن هيئة محامي دارفور لا يمكنها أن تغفل المساهمات المعتبرة للأستاذ نبيل أديب في ورش أنشطتها التدريبية وفي المشاركة في كتابة مذكرات إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ببانجول وفي التوقيع على مذكرات المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وكذلك مشاركاته في هيئات الدفاع ، وكان الأستاذ نبيل أديب من كبار المحامين الذين لبوا دعوة الهيئة وشاركوا في تكوين الهيئة القومية للدفاع عن المتأثرين بأحداث الهجوم على أم درمان في مايو ٢٠٠٨م والتي تشكلت برئاسة الأستاذ فاروق أبو عيسى والدكتور أمين مكي رئيسا مناوبا في ظروف حرجة كان لمجرد الانضمام للجنة المذكورة يُرتب على صاحبه تبعات في مواجهة النظام ، ولكن التثمين المذكور لا يمنع ممارسة النقد في نشاطه السياسي الذي صار من خلاله يساهم في تعقيد الأزمة السياسية السودانية من خلال استخدام الأداة القانونية وفي تجيير المواقف السياسية خدمة لمآرب قادة الجيش . إن مساهمات الأستاذ نبيل أديب في الشأن السياسي بالضرورة النظر إليها في إطاره السياسي خاصة وقد سبق له من خلال لجنة التحقيق في أحداث مجزرة فض الاعتصام أن ساهم في أسباغ الغطاء القانوني لعملية التسويف السياسي الذي تم تحت غطاء التحقيق في جرائم مجزرة فض الاعتصام المرتكبة بحق شباب قوى ثورة ديسمبر المجيدة ، وقد تم تشكيل لجنة التحقيق في جرائم فض الاعتصام المرتكبة بموجب قانون لجان التحقيق لسنة ١٩٥٤ بتعديلاته السارية، ذلك القانون الذي يعنى بالمسائل الإدارية والتنفيذية وبالتالي لا تصلح نتائج أعمالها قانوناً لمباشرة أية إجراءات جنائية سليمة أمام الأجهزة القانونية المختصة ، على الرغم من أن النائب العام مولانا تاج السر الحبر منح صلاحياته بموجب قانون النائب العام لاحقا للجنة المذكورة ، لم يكن ذلك الإجراء اللاحق الذي قام به النائب العام المذكور ليصحح الخطأ المرتكب بتشكيل رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك للجنة تمارس أعمالها بموجب قانون لجان التحقيق لسنة ١٩٥٤م ، ذلك القانون المذكور المتعلق بالأمور الإدارية والتنفيذية والتحقيق في جرائم جنائية تندرج ضمن اختصاصات حصرية للنيابة العامة المستقلة ، كما في ممارسة أعمال االتحقيق الجنائي بموجب قانون لجان التحقيق الإداري لسنة ١٩٥٤م المذكور ، مساسا باستقلالية النيابة العامة صاحبة الولاية والسلطة الإشرافية الحصرية على الشرعية الاجرائية في الدولة ، ولم يكن التحقيق السليم في جرائم مجزرة فض الاعتصام يمكن أن يتحقق من خلال المزج السياسي لمهام لجنة إدارية تُشكلت بموجب قانون لجان التحقيق لسنة ١٩٥٤م وصلاحيات وسلطات لاحقة منحها النائب العام بموجب قانون النائب العام للجنة المذكورة ، ونتائج أعمال لجنة التحقيق المذكورة ،معلومة بالضرورة للكافة حتى صدور قرارات ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م فاندلاع حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م .
الأستاذ نبيل أديب أمام موقف تاريخي :
صار الأستاذ نبيل أديب كما هو يبدو من يمثل العقل القانوني لقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وأعضاء مجلسه السيادي ، كما وليس هنالك على ما يبدو من يشاركه في ذلك الوضع المميز الذي يتربع عليه ، فوزير العدل الذي يمثل النظام الحاكم في الشؤون القانونية لا يمتلك خبرات وتجارب الأستاذ نبيل أديب، كما لا يمتلك حضوره أو ثقله القانوني لدى الأوساط السياسية والقانونية داخل البلاد أو في محيطه الخارجي المهتم بالشأن السوداني ، وقلة من القانونيين حول النظام الحاكم ممن لهم تأثير الأستاذ نبيل أديب ، لذلك رأيت أن اناقش الأستاذ نبيل أديب هذا النقاش المفتوح عسى ولعله قد ينتبه في ظل ظروف أوضاع البلاد الاستثنائية الحرجة لعدم تكرار أخطاء الوثيقة الدستورية المعيبة ٢٠١٩م في ظروف البلاد المفصلية .
تعطيل استعادة الحياة الدستورية للبلاد .
من المؤكد أن الأستاذ نبيل أديب له المعرفة التامة بصلح وستفالي ١٦٤٨م ، ذلك الصلح الذي يمثل الأساس المرجعي لنشأة الدولة القطرية الحديثة المحمية بالقانون الدولي ، وأن نشأة وتأسيس الدولة السودانية المعترفة بها دوليا لدى الأمم المتحدة في عام ١٩٥٦م قد تم بموجب قواعد التأسيس الخمس المجازة ديمقراطيا في ١٩٥٥م وأن الرجوع عن هذه القواعد يفتح الباب على مصراعيه لإنهاء الحالة التعاقبية لوجود الدولة ، وبالتالي التكريس لظاهرة الصراعات المستمرة ليس بشأن من يحكم الدولة أوكيف يحكمها ولا بشأن وجود الدولة نفسها . فالآن الأستاذ نبيل أديب أمام نفس الموقف التاريخي الذي أخطأ فيه التقدير بمشاركته في إنتاج الوثيقة الدستورية المعيبة في جوهرها (٢٠١٩م) وعليه أن لا يعيد تكرار الخطأ من خلال مشروع الحوار السياسي المطروح لتحقيق تطلعات البرهان في الاحتفاظ بالسلطة من خلال البحث عن مشروعية مزجاة ، والعمل لتوظيف منصة الحوار من أجل تهيئة الأجواء لاستعادة الحياة الدستورية للبلاد ، ولو فعل ذلك ،لساهم بقدرِ وأفِ في أخراج البلاد من لجة أزماتها المستفحلة ..




