اخبار السودانتحليلات وتقارير
أخر الأخبار

تحت شجرة الهجليج

بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن

لم تكن فاطمة تعرف أن آخر صباح في قريتها سيكون هادئاً إلى ذلك الحد.

استيقظت قبل شروق الشمس بقليل، وخرجت من راكوبتها الطينية تحمل جردل الماء. كان الهواء بارداً، وكانت أصوات الديكة تتداخل مع نداء أمها وهي تقول:

«يا فاطمة، لا تتأخري… أخوك الصغير لازم يمشي المدرسة بدري».

كانت القرية صغيرة، تحيط بها مزارع الدخن والسمسم، وفي أطرافها أشجار الهجليج والسنط. اعتادت فاطمة أن ترى النساء في طريقهن إلى البئر، يحملن الجرادل فوق رؤوسهن ويتبادلن الحديث عن المطر والمحصول والأسعار في السوق. لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت حياة يعرفها الجميع: تعب في النهار، ولمة حول النار في المساء، وأطفال يركضون بين البيوت قبل أن يناديهم آباؤهم للعودة.

في ذلك الصباح، لم تعد فاطمة إلى البيت بالماء.

وصلت الأصوات أولاً؛ إطلاق نار بعيد، ثم صراخ، ثم هرولة أقدام كثيرة على التراب الجاف. توقفت النساء عند البئر، ونظرن نحو طرف القرية. جاءت امرأة تركض وهي تحمل طفلتها على ظهرها وتصرخ:

«أجروا… الناس دخلوا القرية!»

لم تفهم فاطمة كل شيء، لكنها فهمت الخوف في وجه أمها عندما وجدتها قرب البيت. كانت أمها تجمع ما تستطيع حمله: قطعة قماش، قليل من الدقيق، بطانية قديمة، وبعض الأوراق التي تخص والدهم. أما الأب فلم يكن في البيت؛ كان قد خرج باكراً إلى المزرعة.

قالت الأم بصوت مرتجف:

«خذي يد أخوك، وما تتركيه مهما حصل».

ركضوا مع الناس نحو الوادي. لم تأخذ فاطمة لعبتها الصغيرة، ولم تأخذ دفتر المدرسة الذي كانت تكتب فيه أحلامها. لم تغلق أمها باب البيت، ولم تنظر خلفها طويلاً. كانت تعرف أن الوقوف للحظة قد يعني ضياع الأطفال.

عبروا الوادي في خوف، بين نساء يحملن أطفالاً، ورجال يبحثون عن كبار السن، وأطفال يبكون لأنهم لا يعرفون أين آباؤهم. كانت فاطمة تمسك بيد أخيها بقوة حتى احمرّ معصمه. وكلما تعثر سألها:

«وين أبوي؟»

فتجيبه وهي تحاول ألا تبكي:

«جاي ورانا… أكيد جاي».

لكن الأب لم يأتِ في ذلك اليوم.

طريق بلا نهاية

استمرت الرحلة أياماً. لم تكن الأسرة تعرف إلى أين تذهب، لكنها كانت تتبع الآخرين. في النهار كانوا يسيرون تحت شمس قاسية، وفي الليل ينامون في العراء، قرب الأشجار أو داخل خيام مؤقتة من الأقمشة البالية.

كان الدقيق الذي حملته الأم يكفي لأيام قليلة فقط. تقسمه بحذر، وتطبخ عصيدة خفيفة للأطفال. أما هي فكانت تقول إنها لا تشعر بالجوع، رغم أن وجهها صار شاحباً وعيناها غائرتين.

في اليوم الثالث، مرض أخو فاطمة الصغير. ارتفعت حرارته، ولم يكن لديهم دواء ولا ماء نظيف. جلست الأم قربه تحت شجرة هجليج، تمسح جبينه بقطعة قماش مبللة، وتردد بصوت خافت:

«يا رب، احفظ أولادي… يا رب لا تفرقنا أكثر».

في ذلك المكان، بدأت فاطمة تفهم معنى النزوح. لم يكن مجرد الانتقال من قرية إلى مكان آخر. النزوح يعني أن تصبح كل الأشياء التي كانت عادية بعيدة: سريرك، جيرانك، المدرسة، رائحة البيت بعد المطر، صوت أبيك عند المغرب، وحتى الطريق الذي تعرفه إلى البئر.

بعد أسبوع تقريباً، وصلوا إلى تجمع كبير للنازحين. كانت الخيام تمتد على مساحة واسعة، بعضها مصنوع من المشمعات، وبعضها من أكياس الحبوب القديمة، وبعضها لا يحمي الناس من حر الشمس ولا برد الليل.

قال رجل عند المدخل:

«هنا تقدروا تقعدوا مؤقتاً إلى أن تلقوا ناسكم».

لكن كلمة «مؤقتاً» بقيت معهم سنوات.

خيمة اسمها بيت

في المخيم، حصلت الأسرة على خيمة صغيرة تشاركها مع أسرة أخرى في البداية. لم تكن هناك خصوصية، ولا مساحة كافية للنوم، ولا ماء قريب. كانت فاطمة تستيقظ قبل الفجر لتقف في صف طويل من أجل جردلين من الماء. أحياناً تعود بالماء، وأحياناً ينتهي دورها قبل أن يصل الصف إليها.

بدأت أمها تعمل في صنع الخبز وبيعه داخل المخيم. كانت تضعه في صينية معدنية قديمة وتمشي بين الخيام، وتنادي بهدوء:

«العيش جاهز… العيش الساخن».

أما فاطمة، فكانت تساعدها في رعاية إخوتها وجمع الحطب، ثم تعود مرهقة قبل غروب الشمس. لم تعد إلى المدرسة في البداية، لأنها كانت تشعر أن الحياة كلها توقفت، وأن الكتب لا مكان لها وسط الخوف والجوع والبحث عن المفقودين.

مرت الشهور، ولم يصل أي خبر عن الأب.

كانت الأم تسأل كل وافد جديد من منطقتهم:

«شفتوا رجل اسمه عبد الرحمن؟ طويل شوية، في يده علامة حرق قديمة؟»

وكانت تعود كل مرة بصمت. لم تقل أمام أطفالها إنه ربما لن يعود، لكنها في الليل كانت تبكي دون صوت حتى لا يسمعها أحد.

ذات يوم، وصلت مجموعة من المتطوعين إلى المخيم وافتتحوا فصلاً مؤقتاً للأطفال تحت شجرة كبيرة. قالوا إن التعليم لا يجب أن يتوقف حتى في النزوح. وقفت فاطمة بعيداً تراقب الأطفال وهم يجلسون على الحصير ويحملون ألواحاً ودفاتر بسيطة.

نادتها المعلمة:

«تعالي يا بنتي، اسمك شنو؟»

قالت فاطمة بخجل:

«فاطمة».

سألتها المعلمة: «بتقري؟»

أومأت فاطمة برأسها.

فابتسمت المعلمة وقالت: «إذن مكانك هنا. الحرب أخذت مننا حاجات كثيرة، لكن ما لازم تأخذ مستقبلنا».

جلست فاطمة في الصف للمرة الأولى منذ تركت قريتها. أمسكت بالقلم، وشعرت أن يدها ترتجف. كتبت اسمها على الورقة ببطء: فاطمة عبد الرحمن.

ثم توقفت طويلاً عند اسم أبيها.

وعد العودة

كبرت فاطمة في المخيم، كما يكبر كثير من الأطفال أسرع مما ينبغي. تعلمت أن تحمل الماء، وأن تهتم بإخوتها، وأن تميز بين صوت الريح وصوت الرصاص، وأن تفهم من وجوه الكبار عندما يكون هناك خبر سيئ.

لكنها تعلمت شيئاً آخر أيضاً: أن الإنسان يمكن أن يفقد بيته، لكنه لا يجب أن يفقد صوته.

بعد سنوات، أصبحت فاطمة تساعد في تعليم الأطفال الصغار في الفصل المؤقت نفسه. كانت تحكي لهم عن قريتها: عن المزرعة، والبئر، وشجرة الهجليج الكبيرة، وعن والدها الذي كان يقول لها دائماً إن العلم هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يحرقه أو يسرقه.

وفي كل مرة تسألها طفلة صغيرة:

«هل سنرجع بيوتنا يا أستاذة؟»

تأخذ فاطمة نفساً عميقاً، وتنظر إلى الخيام الممتدة أمامها، ثم تقول:

«نحن نستحق أن نرجع. نستحق الأمان، والمدرسة، والماء، وبيتاً لا نخاف فيه. ويمكن الطريق طويل، لكن ما دام عندنا أمل وناس واقفين مع بعض، ما حنضيع».

وفي المساء، حين تهدأ أصوات المخيم، تجلس فاطمة خارج الخيمة وتنظر إلى السماء. لا تزال تتذكر بيتهم القديم، وبابهم المفتوح، وصوت أبيها وهو يناديها عند المغرب.

لكنها لم تعد ترى نفسها فقط كطفلة هربت من النار.

صارت ترى نفسها شاهدة على قصة آلاف الأسر في دارفور: أسر فقدت بيوتها، وأحبتها، وذكرياتها، لكنها ما زالت تحاول أن تبني حياة من جديد، تحت شجرة، داخل خيمة، أو في قلب طفل لم يتوقف عن الحلم بالعودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى