اخبار السوداناخبار المنظمات
أخر الأخبار

الهوية السودانية بين التاريخ والتنوع وخطاب النقاء العرقي

جعفر محمدين عابدين | gafertamok@gmail.com

المشكلة في هذا الخطاب ليست في هوية صاحبه أو في حقه في الانتساب إلى ما يشاء، في أي من الانتماء . وإنما في الطريقة التي تُقدَّم بها هذه الهوية باعتبارها حقيقة مطلقة، ثم تُبنى عليها فرضيات وتصنيفات عرقية وإقصائية للآخرين.

فالخطاب الذي يتحدث عن «النقاء العرقي»،في السودان ويفترض أن الانتماء يمكن إثباته أو نفيه بمجرد النسب أو الجينات، يتجاهل التعقيد الحقيقي للهويات وقضايها التاريخية والاجتماعية في السودان . فالهوية الإنسانية لا تُختزل في سلالة بيولوجية، كما أن الانتساب المتكرر إلى منطقة أو جماعة لا يحوّل الادعاء، في حد ذاته، إلى حقيقة تاريخية أو ثقافية.

والأكثر إثارة للانتباه هو تجاهل الروايات المحلية المخالفة. فإذا كانت هناك أصوات من المجتمع المعني لا ترى هذا الانتساب منسجمًا مع تاريخها أو ثقافتها، فإن الرد عليها ينبغي أن يكون بالأدلة التاريخية والثقافية، لا بادعاءات التفوق أو النقاء العرقي ، ولا بمحاولة فرض تعريف أحادي للهوية في مجملها

ومن هنا، فإن النقد لا يتوجه إلى حق الأفراد في البحث عن جذورهم أو التعبير عن هويتهم، وإنما إلى تحويل الهوية إلى أداة لتصنيف الآخرين أو نفي انتمائهم. فالهوية تتشكل عبر التاريخ والثقافة واللغة والروابط الاجتماعية والتفاعل بين الجماعات، ولا يمكن اختزالها في نتيجة جينية أو رواية عرقية واحدة.

وتزداد إشكالية هذا الخطاب عندما يصل إلى الادعاء بأن بعض السودانيين لا ينتمون إلى السودان لأن أصولهم تعود إلى مناطق في غرب أفريقيا، كأن هذا الانتماء لغربنا الافريقيي وصمة عار وكأن الحدود السياسية والجغرافية الحالية كانت قائمة بالصورة نفسها عبر التاريخ. فهذا التصور يتجاهل طبيعة السودان والمنطقة المحيطة به قبل نشوء الدولة الحديثة، كما يتجاهل حركة الشعوب والهجرات والتجارة والتزاوج والتفاعل الثقافي والاجتماعي التي امتدت عبر مساحات واسعة من القارة الأفريقية.

فالسودان لم يكن عبر تاريخه مجتمعًا مغلقًا، بل كان فضاءً تتقاطع فيه طرق التجارة والهجرة والتواصل بين شمال أفريقيا وشرقها ووسطها وغربها. وقد تحركت الجماعات البشرية عبر هذه المساحات قبل ظهور الحدود السياسية الحديثة بقرون طويلة. ولذلك فإن محاولة قراءة تاريخ حركة السكان وفق خرائط الدول الحالية وحدها قد تقود إلى استنتاجات تاريخية مضللة.

كما أن الاستعمار الأوروبي لم ينشئ التنوع البشري في أفريقيا، لكنه ساهم في إعادة تنظيم المجال السياسي للقارة ورسم حدود استعمارية أصبحت لاحقًا حدودًا لدول مستقلة. ومن الخطأ إسقاط هذه الحدود الحديثة بصورة آلية على تاريخ الشعوب التي سبقتها، ثم استخدامها معيارًا وحيدًا للحكم على أصل جماعة أو انتمائها.

إن الهجرة والتداخل السكاني والتبادل الثقافي ليست ظواهر استثنائية، بل هي جزء أصيل من تاريخ المجتمعات الإنسانية. ولذلك فإن وجود جذور تمتد إلى منطقة أخرى من أفريقيا لا يشكل، بذاته، دليلًا على انتفاء الانتماء إلى السودان، كما أن الانتماء إلى السودان لا يحتاج إلى إثبات مفهوم «النقاء العرقي» حتى يكون انتماءً حقيقيًا.

وهنا تكمن القضية الأساسية: لا ينبغي أن تتحول الهوية إلى أداة لنفي هوية الآخرين. فمن حق أي فرد أو جماعة أن تبحث في تاريخها وأن تعرّف نفسها بالطريقة التي تراها مناسبة، لكن من حق الآخرين أيضًا أن يناقشوا هذه الروايات بالاستناد إلى التاريخ والمصادر والشواهد الثقافية والاجتماعية، دون تخوين أو استعلاء أو تصنيفات عرقية.

إن السودان، بوصفه جزءًا من القارة الأفريقية، يحمل تاريخًا طويلًا من التنوع والتداخل البشري والثقافي. وهذا التنوع ليس عيبًا يحتاج إلى الإنكار، بل حقيقة تاريخية ينبغي فهمها ودراستها. ولذلك فإن النقاش الجاد حول الهوية السودانية والأفريقية يجب أن ينتقل من سؤال «من هو الأنقى عرقيًا؟» إلى أسئلة أكثر أهمية: كيف تشكلت المجتمعات؟ كيف تحركت الشعوب؟ كيف تداخلت اللغات والثقافات والأنساب؟ وكيف أسهمت هذه التفاعلات في تشكيل الهويات التي نعرفها اليوم؟

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس استبدال إقصاء بإقصاء آخر، ولا فرض هوية بديلة على أحد، وإنما رفض المعيار العرقي بوصفه أداة للحكم على الانتماء. كما أن المطلوب أن يستند النقاش إلى المصادر التاريخية والأبحاث العلمية والشواهد الثقافية والاجتماعية، وأن تُحترم الروايات المحلية والتعدد داخل المجتمع السوداني، بدل فرض تعريف واحد للسوداني أو الأفريقي.

إن قراءة تاريخ السودان وأفريقيا تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة وأقل من الأحكام المسبقة. فالحدود السياسية تتغير، والشعوب تتحرك، والهويات تتفاعل وتتطور؛ أما محاولة اختزال كل ذلك في لون البشرة أو النسب أو خريطة سياسية حديثة، فلا تنتج فهمًا للتاريخ بقدر ما تنتج رواية إقصائية عنه.

ختاما *

وفي النهاية، فإن الانتماء لا يصبح أكثر حقيقة عندما يُبنى على نفي الآخرين، ولا تصبح الهوية أكثر قوة عندما تُقدَّم باعتبارها «نقية». قوة الهوية في قدرتها على استيعاب تاريخها وتعقيدها وتنوعها. ومن يريد مناقشة هوية السودان وأفريقيا، فعليه أن يفعل ذلك بأدوات التاريخ والعلم والنقد الموضوعي، لا بمنطق التفوق العرقي أو النقاء أو نفي الآخرين.هذه الصياغة أنسب للصحيفة لأنها تجعل المطلب النهائي نتيجة منطقية للنص كله: احترام البحث في الأصول، رفض توظيف العرق للإقصاء، والاحتكام إلى التاريخ والمصادر بدل الادعاءات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى