اخبار السودان
أخر الأخبار

أرض يملكونها ولا يستطيعون العيش منها: النزوح وانكسار الزراعة في دارفور

متابعات

أرض يملكونها ولا يستطيعون العيش منها: النزوح وانكسار الزراعة في دارفور

بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن

من أقسى صور النزوح أن تبقى الأرض في مكانها، بينما يفقد أصحابها القدرة على الوصول إليها والعيش منها. يعرفون حدودها، ومواسمها، وما تحتاجه من جهد، لكن المسافة بينهم وبينها لم تعد تُقاس بالكيلومترات وحدها؛ بل بالخوف، وفقدان الموارد، وعدم اليقين. في دارفور، تعكس هذه الصورة جانباً من أزمة أعمق: أسر كانت تنتج غذاءها، ثم وجدت نفسها تبحث عما يسد حاجتها في الأسواق أو تنتظر المساعدة. وقد أشار تقرير إنساني في سبتمبر 2026 إلى تحول أعداد كبيرة من المزارعين النازحين من منتجين إلى مستهلكين، بالتزامن مع تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الحبوب.

لهذا، لا أرى أن الحديث عن النزوح يكتمل بإحصاء من غادروا بيوتهم، ولا أن الحديث عن الجوع يكتمل بحساب كميات الغذاء المطلوبة. بين الاثنين سؤال أساسي: ماذا حدث لقدرة الناس على إعالة أنفسهم؟ وكيف يمكن حمايتها أو استعادتها؟

الأرض وحدها لا تكفي

امتلاك الأرض لا يعني بالضرورة القدرة على الانتفاع بها. فالزراعة تحتاج إلى وصول آمن، وبذور، ومياه، وأدوات، وتمويل، وسوق. وحين تتعطل هذه الشروط، يصبح الحقل مورداً موجوداً على الورق، لكنه بعيد عن الحياة اليومية لصاحبه. وقد ربط تحديث شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة بين تراجع فرص الزراعة والنزوح وارتفاع تكاليف المدخلات، خصوصاً الوقود، وضعف التمويل.

وهنا تتضح قسوة الخسارة. فالمزارع لا يفقد محصولاً فقط، بل يفقد مساحة من استقلاله. ويتحول السؤال من: «ماذا سنزرع هذا الموسم؟» إلى: «كيف سنحصل على طعام اليوم؟».

في رأيي، هذا التحول ينبغي أن يكون في صميم فهم الأزمة. فالاعتماد على المساعدة ليس صفة ملازمة للنازحين، ولا دليلاً على غياب المبادرة؛ بل قد يكون نتيجة انقطاعهم عن موارد كانوا يعتمدون عليها، ومعارف كانوا يحولونها إلى إنتاج.

حين تتراكم الخسارات

تواجه الزراعة في دارفور ضغوطاً متداخلة لا يصح اختزالها في سبب واحد. فإلى جانب انعدام الأمن والنزوح، تناولت تقارير سبتمبر تأخر الأمطار وعدم انتظامها، ونقص البذور، وارتفاع تكاليف الزراعة، وما ترتب على ذلك من تقلص المساحات المزروعة وضعف فرص اكتمال نمو المحاصيل.

وتجسد شهادة مزارعة من كاس في جنوب دارفور هذا التداخل. ففي بيان إنساني منشور في الخامس من أكتوبر، تحدثت عن استئجار أسرتها أرضاً وإعدادها، ثم زراعتها مرتين، دون نمو جيد للمحاصيل بسبب ضعف الأمطار، بينما استمرت أسعار الغذاء في الارتفاع.

تلك ليست قصة غياب الإرادة، بل قصة جهد لم يجد الظروف التي تحميه. وهي تذكّرنا أيضاً بأن الأزمة تشمل أصحاب الأراضي ومن يستأجرونها، وكل من ترتبط معيشتهم بالموسم الزراعي. فالمحاولة الفردية، مهما كانت جادة، لا تستطيع وحدها تعويض نقص المياه أو تحمل الارتفاع المتواصل في التكاليف.

النزوح الذي يستمر بعد الوصول

قد تصل الأسرة إلى مكان أكثر أمناً، لكن ذلك لا يعني أنها استعادت حياتها. فهناك فرق بين النجاة من الخطر والقدرة على بناء معيشة مستقرة. ويظهر هذا الفرق بوضوح عندما تفقد الأسرة دخلها، وتصبح كل حاجاتها مرتبطة بشراء ما كانت تنتجه بنفسها.

وقد رصد تقرير مركز التغيير الإنساني في سبتمبر ارتفاع أسعار الدخن في الجنينة، وتقليل بعض الأسر عدد وجباتها، واضطرار أسر أخرى إلى بيع ماشيتها، إلى جانب انتقال أشخاص من المناطق الريفية نحو المدن ومراكز المساعدة بحثاً عن الغذاء.

هذه الوقائع تكشف تآكل الخيارات، لا مجرد نقص عابر في الطعام. فعندما تبيع الأسرة ما يمكن أن يساعدها على الإنتاج مستقبلاً لتغطي احتياجاتها الحالية، تصبح قدرتها على التعافي أكثر هشاشة. وحين يغادر الناس مناطقهم بحثاً عن الغذاء، تتداخل خسارة سبل العيش مع استمرار النزوح.

لذلك، لا يكفي أن ننظر إلى النازحين باعتبارهم محتاجين إلى مأوى وغذاء فقط. إنهم أيضاً أصحاب خبرات، ومهارات، وموارد تعطلت صلتهم بها، ويستحقون استجابة ترى هذه القدرات وتعمل على حمايتها.

الإغاثة وبناء القدرة على العيش

لا يجوز التقليل من أهمية المساعدة العاجلة. فالحاجة إلى الغذاء والماء والعلاج لا تنتظر اكتمال خطط التعافي. وقد حذرت منظمة الصحة العالمية في أكتوبر من نقص شديد في الخدمات الأساسية والحماية لدى النازحين في طويلة، ومن احتمال تفاقم سوء التغذية مع ضعف الأمطار وفشل المحاصيل.

لكن ضرورة الإغاثة لا تعني الاكتفاء بها. وأرى أن الاستجابة الأكثر إنصافاً هي التي تجمع بين إنقاذ الحياة اليوم وحماية أسباب استمرارها غداً. فـالكرامة لا تتحقق بالحصول على المساعدة وحدها، بل أيضاً باستعادة القدرة على الاختيار والعمل وتدبير المعيشة.

وهذا يقتضي الاستماع إلى الأسر نفسها. فليس كل نازح قادراً على العودة، وليس كل مكان مناسباً لاستئناف الزراعة في الوقت الراهن. قد تحتاج أسرة إلى بذور وأدوات، وأخرى إلى دعم للوصول إلى المياه، وثالثة إلى فرصة دخل مؤقتة في منطقة النزوح.

وقد تضمنت توصيات تقرير مركز التغيير الإنساني توفير مدخلات للزراعة الشتوية حيث تتوفر المياه وإمكانية الوصول الآمن، إلى جانب دعم البذور والتحويلات النقدية لتعويض الخسائر ومساندة الإنتاج. لكن هذه التدخلات يجب أن تنطلق من الواقع المحلي، لا من افتراض أن توزيع المدخلات وحده يكفي لإعادة الحياة إلى الحقول.

وفي تقديري، ينبغي ألا تُعامل العودة بوصفها مقياس النجاح الوحيد. فالنجاح الحقيقي هو أن يتمكن الناس من اتخاذ قرار آمن وطوعي بشأن مستقبلهم، وأن تتاح لهم سبل عيش مناسبة، سواء عادوا إلى أراضيهم أو اضطروا إلى البقاء بعيداً عنها.

ما وراء الحقل

انكسار الزراعة في دارفور ليس مسألة محصول مفقود فحسب؛ إنه سؤال عن مستقبل المجتمعات وقدرتها على الاستمرار. وحين ننظر إلى الأرض باعتبارها مساحة للإنتاج فقط، نغفل ما تعنيه لأصحابها من استقرار وانتماء واستقلال.

من هنا، أعتقد أن النقاش حول النزوح يحتاج إلى تغيير زاويته: من الاكتفاء بسؤال «كيف نلبي الاحتياجات؟» إلى إضافة سؤال «كيف نحمي قدرة الناس على تلبية احتياجاتهم بأنفسهم؟». لا يحل السؤال الثاني محل الأول، لكنه يمنع الاستجابة من أن تبقى محصورة في معالجة النتائج دون الاهتمام بما يعيد للناس خياراتهم.

ليس المطلوب أن نطالب المزارع بالصمود إلى ما لا نهاية، ولا أن نحمله مسؤولية ظروف تتجاوز قدرته. المطلوب أن نحمي حقه في حياة لا يصبح فيها فقدان الموسم بداية لفقدان المستقبل.

فالأرض التي لا يستطيع أصحابها العيش منها تضعنا أمام مسؤولية تتجاوز تقديم الغذاء: مسؤولية صون الصلة بين الإنسان ومورد رزقه. والإنصاف لا يقف عند الاعتراف بحق الناس في الأرض، بل يمتد إلى تمكينهم من الانتفاع بها بأمان، أو إيجاد سبل عيش كريمة حين يتعذر ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى