اخبار السودان
أخر الأخبار

سقوط أكذوبة حرب الكرامة .. عند كيلة عيش

الاستاذ عز الدين دهب

كتب عزالدين دهب… سقوط أكذوبة حرب الكرامة .. عند كيلة عيش

 

لم تسقط حرب الكرامة المزعومة في بيانات السياسة، ولا في تقارير المنظمات، سقطت هناك.. في حفرة ذهب موحشة في عمق الصحراء، أمام وصية طفل لم يبلغ السادسة عشرة، كتب بدمه أن في ذمته “كيلة عيش”.

 

كيلة عيش. ليست قرضاً من بنك، الشمال ولا بنك امدرمان الوطني ولا صفقة سلاح، ولا مرتب جنرال. كيلة عيش كان يدين بها لأسرته، كان يماري بها فقرهم، ويقاوم بها جوعهم، قبل أن يخرج يفتش في باطن الأرض عن رزق حلال طيب في مناجم الذهب.

 

هناك قتلوه. قتله سلاح الجو المصري، ورفاقه، مئات السودانيين من الباحثين عن لقمة العيش، لا عن السلطة. فأي كرامة هذه التي تُصان بقصف أبناء شعبك بطائرات غريبة؟ وأي سيادة هذه التي تُستباح فيها أرض السودان ودماء أهله، ثم يصمت من يدّعي حمايتها؟

 

لقد تألم الشعب السوداني مرتين. مرة أولى حين شاهد الأشلاء الممزقة، والوجوه التي احترقت وهي تبحث عن الذهب لتشتري العيش. ومرة ثانية، وهي الأشد وجعاً، حين صمتت مجموعة البرهان، وتواطأت مع القاتل. لم نسمع إدانة، لم نر تحقيقاً، لم نر حتى دمعة كاذبة. صمت القاتل على قاتل آخر استباح دماء السودانيين. فمن يقتل شعبه بطائرات أجنبية لا يمكن أن يكون حامياً لكرامته.

 

هنا يتململ الشاعر الكبير تاج السر الحسن في قبره. تاج السر الذي خدعته العاطفة يوماً فكتب ملحمته الخالدة “آسيا وأفريقيا” وقال بصدق العروبي:

مصر يا أخت بلادي يا شقيقة

يا ليتك يا تاج السر لم تقلها. ليتك ترى اليوم كيف ردت “الأخت الشقيقة” الجميل. ليتك ترى طائراتها وهي تصب حممها على أطفال السودان في مناجمهم. سيكون تاج السر اليوم خصيماً للمصريين أمام الله والتاريخ، لأنه منحهم شرف الأخوة فمنحونا الموت.

 

ولم يكن تاج السر وحده المخدوع. كان الثائر جلحة قد قرأ المشهد ببصيرة الشارع، وحذر مبكراً من سوء المصريين ومن مشروعهم في السودان، لكن نصيحته ضاعت وسط ضجيج الآلة الإعلامية. لم يستبن الناس النصح إلا ضحى الغد، بعد أن رأوا بأعينهم ما كان يحذر منه.

 

اليوم، بعد مجزرة كيلة العيش، سقطت كل الأقنعة.

 

سقطت دعوى حرب الكرامة، فلا كرامة لمن يستأجر طيراناً أجنبياً ليقتل شعبه.

وسقطت آلة الإعلام التي صنعت الوهم: صحفيون يبيعون الكلمات لمن يدفع، وقونات يرقصن على جث الشهداء، وعاهرات السياسة، ورئيس وزراء معتوه صار أضحوكة بين الناس، يحدثهم عن الانتصار بينما أطفالهم يموتون بدين كيلة عيش.

 

إن الطفل ذو الستة عشر عاماً الذي ترك وصيته بدين كيلة العيش، كان أكرم منهم جميعاً، وأشرف من جنرالاتهم، وأصدق من إعلامهم. مات وهو يبحث عن شرف العمل، وماتوا هم وهم يبحثون عن شرف السلطة فوق جماجم الفقراء.

 

هذه ليست حرب كرامة. هذه حرب عار. عار البرهان الذي تخاذل، وعار من صمت، وعار من برر القتل المصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى