المتطوع السوداني: شريك في القرار أم بديل عن المؤسسات؟
بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن
المتطوع السوداني: شريك في القرار أم بديل عن المؤسسات؟
بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن
حين يشتدّ الخوف وتضيق سبل العيش، يصبح السؤال عن الإنسانية سؤالًا عمليًا: من يصل إلى المحتاج؟ ومن يستمع إليه؟ ومن يحوّل التعاطف إلى وجبة أو دواء أو مساعدة تحفظ الكرامة؟ وفي النقاش حول الاستجابة الإنسانية في السودان، تبرز تجربة غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية بوصفها مساحة لفهم قدرة المجتمع على تنظيم نفسه، وكذلك لفهم التحديات التي تواجه العمل الطوعي وعلاقته بالمؤسسات.
لكن خلف الاحتفاء المستحق بالمتطوع السوداني، يقف سؤال لا ينبغي تأجيله: هل نراه شريكًا يمتلك المعرفة والخبرة والحق في التأثير، أم نريده بديلًا مؤقتًا يتحمّل مسؤوليات المؤسسات، من دون أن يمتلك صلاحياتها أو مواردها؟
ليست المشكلة في أن يتقدّم المتطوع عند الحاجة؛ فذلك تعبير نبيل عن المسؤولية تجاه الآخرين. المشكلة أن يتحوّل هذا التقدّم إلى ترتيب دائم، تُلقى فيه الأعباء على المجتمع، بينما تظل سلطة تحديد الأولويات وتوزيع الموارد بعيدة عنه. عندها يصبح مطلوبًا من المتطوع أن يكون حاضرًا في التنفيذ، وصامتًا عند اتخاذ القرار.
من ينفّذ ينبغي أن يُسمع
لا يُقاس احترام المتطوع بعدد شهادات التقدير التي يحصل عليها، ولا بصورته في تقارير الأنشطة. الاحترام الحقيقي يبدأ حين تؤخذ ملاحظاته بجدية، ويُتاح له أن يناقش الخطة، وأن يعترض على ما لا يناسب الواقع، وأن يشارك في تقييم النتائج.
فإذا كانت المؤسسة تستعين بالمتطوع للوصول إلى المجتمع، فلماذا لا تمنحه مساحة للمشاركة في فهم احتياجاته؟ وإذا كانت تثق به عند توزيع المساعدة، فلماذا تتردّد في إشراكه عند تحديد شكلها وأولوياتها؟
ليس المقصود أن يحلّ الرأي الفردي محل المعايير المهنية، أو أن تُعفى المبادرات المحلية من المساءلة. المطلوب أن تُبنى العلاقة على تبادل المعرفة، لا على افتراض أن جهة واحدة تعرف، وأن دور الآخرين يقتصر على التنفيذ.
البطولة ليست نظامًا للاستجابة
أخشى أن يتحوّل وصف المتطوعين بالأبطال إلى طريقة مريحة لتقبّل ما يتحمّلونه. فالبطولة، مهما كانت ملهمة، لا تصلح وحدها أساسًا لاستجابة إنسانية عادلة ومستدامة.
لا ينبغي أن يصبح الاستعداد للعطاء التزامًا مفتوحًا بالتضحية. ومن غير المنصف أن نتوقّع من المتطوع أن يدفع من ماله، ويستنزف وقته، ويواجه المخاطر، ثم نطالبه بالاستمرار لأن الناس يحتاجون إليه. حاجات الناس حقيقية، لكن للمتطوع أيضًا حياة وأسرة وحدود وقدرة على الاحتمال.
ولهذا، فإن دعم العمل الطوعي لا ينبغي اختزاله في توفير مواد النشاط وحدها. ثمة حاجة إلى التفكير في سلامة العاملين، وتكاليف الحركة والاتصال، والتدريب، والدعم النفسي، وآليات واضحة للتعامل مع المخاطر. ويتسق ذلك مع الدعوات إلى تمويل مرن وموثوق للجهات المحلية، والاهتمام بحماية العاملين في الاستجابة الإنسانية.
لا إعفاء للمؤسسات ولا حصانة للمبادرات
في المقابل، فإن الاعتراف بدور المتطوعين لا يعني إعفاء المبادرات من الشفافية. فالقرب من المجتمع لا يمنح حصانة من النقد، وحسن النية لا يغني عن وضوح معايير الاستحقاق، وتوثيق الموارد، واحترام خصوصية المستفيدين، وإتاحة الشكوى.
الشراكة التي نحتاج إليها تقوم على مسؤوليات متبادلة: موارد تقابلها مساءلة، وصلاحيات تقابلها معايير، وثقة يساندها وضوح. فلا يُعامل المتطوع باعتباره منفّذًا بلا صوت، ولا تُعامل المبادرة باعتبارها فوق المراجعة لمجرد أنها تعمل في ظروف صعبة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يصبح نجاح المجتمع في مساعدة نفسه حجة لتراجع المؤسسات. فالتطوع يساند المسؤولية المؤسسية، لكنه لا يلغيها؛ والمبادرة المجتمعية تستحق الإسناد، لا أن تتحوّل إلى غطاء لغياب الخدمات أو تأجيل استعادتها.
شراكة تبدأ قبل التنفيذ
إن الاختبار الحقيقي ليس عدد المتطوعين المشاركين في النشاط، بل موقعهم في العلاقة: هل حضروا منذ تحديد المشكلة، أم استُدعوا بعد اكتمال الخطة؟ هل يستطيعون التأثير في توزيع الموارد، أم يُطلب منهم فقط تبرير القرارات أمام المجتمع؟ وهل توجد مساحة آمنة ليقولوا: هذه الأولوية لا تعبّر عن احتياجات الناس؟
المتطوع السوداني لا يحتاج إلى خطاب يمجّد تعبه بقدر حاجته إلى علاقة تنصف دوره. علاقة تعترف بأن المعرفة لا تأتي من المكاتب وحدها، وأن المشاركة ليست دعوة إلى اجتماع، بل قدرة فعلية على التأثير.
لذلك، ينبغي أن يكون الجواب واضحًا: المتطوع شريك في القرار، لا بديلًا عن المؤسسات. وأفضل تقدير لما يقدّمه ليس أن نطالبه بالمزيد إلى ما لا نهاية، بل أن نبني معه مؤسسات تستمع، وتتحمّل مسؤوليتها، وتحمي حق الجميع في الخدمة والكرامة.




