حين تنجو الأجساد وتبقى الأرواح عند الطريق
أسبوع بين الفاشر وطويلة… أمٌّ فقدت طفليها ووالدتها في رحلة النجاة
حكاية إنسانية تختصر وجع النزوح، وتكشف أن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة النجاة من آثار الحرب.
بعد يوم واحد من سقوط مدينة الفاشر، غادرت أمٌّ سودانية، سنطلق عليها اسم «أم الأمل» حفاظاً على خصوصيتها، المدينة برفقة طفليها ووالدتها، بحثاً عن الأمان، حاملةً أملاً واحداً: أن تنجو بأسرتها من ويلات الحرب.
استغرقت رحلتها إلى طويلة أسبوعاً كاملاً، تخللتها مشقة الطريق وشح المياه والغذاء، والعطش والجوع والإعياء. وفي إحدى محطات النزوح، فقدت طفليها ووالدتها، لتتحول رحلة البحث عن الحياة إلى مأساة ستظل حاضرة في ذاكرتها.
وصلت إلى طويلة وحيدة، تحمل وجعاً لا تستطيع الكلمات وصفه. وما زالت تقيم هناك، في ظل مساعدات غذائية محدودة، ودون الحصول على الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي الذي تحتاج إليه بعد هذه التجربة القاسية.
ليست قصة «أم الأمل» مجرد مأساة فردية، بل صورة تختصر جانباً من واقع آلاف النازحين في دارفور، الذين لم تنتهِ معاناتهم بالوصول إلى مناطق أكثر أمناً، بل بدأت أمامهم معركة جديدة لتأمين أبسط مقومات الحياة.
فاليوم، تتفاقم الأوضاع المعيشية بفعل تقليص المساعدات الإنسانية ونقص التمويل، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وعجز كثير من الأسر عن توفير احتياجاتها اليومية.
وتزيد الخصومات على التحويلات المالية عبر تطبيق «بنكك»، التي تصل، وفق إفادات ميدانية، إلى ما بين 40 و50 في المائة لدى بعض الوكالات والتجار، من تآكل المبالغ المحدودة التي تعتمد عليها الأسر في شراء احتياجاتها الأساسية.
كما يفاقم تعثر الموسم الزراعي والظروف المناخية المرتبطة بظاهرة النينيو من هشاشة المجتمعات المعتمدة على الزراعة والرعي، ويهدد مصادر غذائها ودخلها، في وقت تتراجع فيه قدرتها على مواجهة هذه الأزمات.
إن اجتماع الجوع وارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات ونقص الخدمات الصحية والمياه يضع النازحين، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن، أمام مخاطر متزايدة من سوء التغذية والأمراض وانعدام الأمن الغذائي.
إن مأساة «أم الأمل» ينبغي ألا تمر بوصفها حكاية عابرة، بل أن تكون تذكيراً بمسؤولية المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة تجاه ملايين المدنيين المتضررين من الحرب.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى:
1. وقف تقليص المساعدات الإنسانية، وزيادة التمويل، وضمان استمرارية الإغاثة.
2. توفير الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية بصورة عاجلة ومنتظمة.
3. توسيع برامج التغذية للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.
4. توفير الدعم النفسي والاجتماعي للناجين من الحرب والفقد.
5. معالجة الخصومات المرتفعة التي تستنزف التحويلات والمساعدات النقدية.
6. دعم المجتمعات المتضررة من تعثر الموسم الزراعي والظروف المناخية.
إن إنقاذ الأرواح لا يحتمل التأجيل، ولا يجوز أن يصبح نقص التمويل سبباً في حرمان إنسان من حقه في الغذاء والعلاج والحماية.
«ليست كل من وصلت إلى بر الأمان قد نجت من الحرب؛ فهناك من وصلت بأجسادها، لكنها تركت خلفها أبناءً وأمهاتٍ وأجزاءً من روحها على طرق النزوح».
قصة «أم الأمل» تذكير بأن آثار الحرب لا تنتهي عند توقف الرصاص أو مغادرة مناطق الخطر؛ فبعض الجراح تبقى، وبعض الخسارات لا يعوضها الوصول إلى مكان آمن.
فالنجاة ليست مجرد الوصول إلى مكان آمن، بل أن يجد الإنسان ما يحفظ حياته وكرامته، ويمنحه فرصة للعيش من جديد.
إعداد: آدم رجال
31 أكتوبر 2026




