@أزمة الهوية واحتكار الانتماء في وطنٍ يتسع للجميع
من المفارقات والسرديات العجيبة والمؤسفة في السودان، أن يتعامل البعض مع مواطنين سودانيين باعتبارهم أجانب أو غرباء عن وطنهم، في الوقت الذي يفاخر فيه هؤلاء أنفسهم بالانتساب إلى أجداد ينحدرون من العباس أو الزبير بن العوام حيث ميلادهم الجزيرة العربية. وهنا تتجلى مفارقة عميقة تستحق الوقوف عندها,
كيف يمكن أن يُنكر البعض سودانية الآخر بسبب لون بشرته، ويشكك في انتمائه إلى وطنه، بينما يستند هو نفسه إلى روايات النسب والتاريخ لتأكيد هويته؟
إن هذه المفارقة تكشف عن أزمة حقيقية في مفهوم الهوية الوطنية، وعن عقلية إقصائية لا تزال تنظر إلى السودانية من منظور اللون والنسب، بدلاً من اعتبارها هوية جامعة تقوم على المواطنة والحقوق والواجبات المشتركة. فالسودان، بتاريخه الممتد وتنوعه الثقافي والاجتماعي، لم يكن يوماً ملكاً لفئة أو جماعة بعينها، بل وطنٌ تشكل عبر تفاعل شعوبه ومكوناته المختلفة.
لقد عرفت القارة الإفريقية، قبل ترسيم الحدود الاستعمارية، فضاءات واسعة من التواصل والتداخل بين شعوبها، حيث لم تكن الحدود السياسية التي نعرفها اليوم قائمة بالصورة التي فرضتها القوى الاستعمارية. ومن ثم، فإن استخدام مفهوم الأجنبي لإقصاء مواطنين سودانيين بسبب لونهم أو أصولهم الاجتماعية يمثل تناقضاً مع التاريخ الإفريقي والسوداني، ويعكس فهماً ضيقاً للهوية والانتماء.
إرث الاستعمار واستمرار الامتيازات
إن امتيازات السلطة التي ورثتها بعض النخب من الحقبة الاستعمارية البريطانية لا تمنحها الحق في احتكار الهوية السودانية، أو تحديد من يستحق الانتماء إلى هذا الوطن ومن يُحرم منه. فالمشكلة لا تكمن في الاختلافات الثقافية أو التاريخية، بل في تحويل هذه الاختلافات إلى أدوات للهيمنة السياسية والاجتماعية، وإلى معايير لتحديد درجات المواطنة.
إن ما نشهده من ممارسات إقصائية وعنصرية يثير تساؤلات جوهرية حول مدى استمرار البنية الاستعمارية في مؤسسات الدولة السودانية وعقليتها السياسية. فحين تُحتكر السلطة والثروة، ويُهمش الآخرون على أساس اللون أو الأصل أو الجغرافيا، فإننا نكون أمام امتداد لعقلية استعمارية أعادت إنتاج نفسها بعد الاستقلال، وإن اختلفت أشكالها وأدواتها.
ولعل استمرار هذه العقلية المركزية الإقصائية يمثل أحد العوامل التي دفعت العديد من الحركات التحررية إلى مقاومة بنية السلطة القائمة، والمطالبة بإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمساواة والاعتراف بالتنوع. فقد ظل التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي أحد أبرز مظاهر الأزمة السودانية، وأحد الأسباب التي عمقت الصراعات وأضعفت فرص بناء دولة وطنية عادلة.
@الشعب السوداني وتاريخ النضال والتحرر
إن أبناء السودان، بمختلف مكوناتهم الاجتماعية والثقافية، كانوا جزءاً أصيلاً من تاريخ المقاومة والتحرر الوطني. وقد شكلت الثورة المهدية إحدى المحطات التاريخية البارزة التي جسدت إرادة السودانيين في مواجهة الهيمنة الأجنبية، وأسهمت فيها قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، بما في ذلك أبناء المناطق التي عانت لاحقاً من التهميش والإقصاء.
ومن المؤسف أن تتحول تضحيات الأجيال السابقة، التي شاركت في صناعة تاريخ السودان، إلى مادة للتنكر والإقصاء في الحاضر، وأن يُحرم بعض أبناء الوطن من الاعتراف الكامل بانتمائهم، رغم ما قدموه من تضحيات في سبيل الأرض والحرية والكرامة.
إن السودان الذي ساهمت جميع مكوناته في صناعة تاريخه لا يمكن أن يُختزل في رواية أحادية، أو أن تُحتكر هويته لصالح جماعة بعينها. فالتاريخ الوطني ملكٌ لجميع السودانيين، ولا يجوز استخدامه لتبرير الهيمنة أو إقصاء الآخرين.
@ نحو تفكيك البنية الاستعمارية وبناء الدولة الوطنية
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب والصراعات، بل في تفكيك العقلية التي أنتجت التهميش والتمييز، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تضمن العدالة والمساواة لجميع المواطنين.
لقد أدت سياسات احتكار السلطة والثروة، وسوء إدارة الموارد الوطنية، إلى تعميق الأزمات وإشعال الصراعات، وكانت النتيجة مآسي إنسانية واسعة تمثلت في القتل والتشريد والنزوح وتدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.
ولذلك، فإن بناء سودان جديد يتطلب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وإصلاح منظومة الحكم، وضمان المشاركة العادلة في مستويات السلطة، والتوزيع المنصف للثروة والموارد، إلى جانب الاعتراف بالتنوع التاريخي والثقافي والاجتماعي باعتباره مصدر قوة وطنية، لا ذريعة للإقصاء أو التمييز.
كما يتطلب الأمر ترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية، بحيث لا يكون لون البشرة أو النسب أو الانتماء الجغرافي معياراً لتحديد قيمة الإنسان أو حقوقه، بل تكون الكرامة الإنسانية والحقوق الدستورية أساس العلاقة بين المواطن والدولة.
@خاتمة: السودان وطنٌ للجميع
إن بناء سودان حقيقي لا يتحقق بالشعارات، ولا بإعادة إنتاج ذات البنية السياسية والاجتماعية التي قادت البلاد إلى أزماتها الراهنة، بل يتطلب إرادة جادة لتغيير العقلية الاستعمارية المتجذرة في مؤسسات الدولة وممارساتها.
فالسودانية ليست امتيازاً تمنحه السلطة، وليست هوية يحتكرها لون أو نسب أو جماعة، بل هي انتماء وحقوق وكرامة ومواطنة متساوية.
إن السودان الذي ننشده هو وطنٌ لا يُقصي أحداً بسبب لون بشرته أو أصله أو ثقافته، ولا يجعل من التاريخ وسيلة للهيمنة، بل منطلقاً لفهم التنوع وتعزيز التعايش وبناء مستقبل مشترك.
@إن معركة السودان الحقيقية ليست معركة ألوان أو أنساب، بل معركة من أجل العدالة والمساواة وتفكيك إرث الاستعمار، وبناء دولة وطنية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، ويكون فيها الانتماء للوطن أساساً لا يقبل الإقصاء أو التمييز




