الاستعمار الأخضر: استنزاف الأرض باسم المناخ
يحيي عمرأدم جامعة الخرطوم، شمبات 12 أغسطس 2026م
يقف العالم المعاصر أمام أزمة وجودية تتجاوز مجرد الخلل المناخي والفيزيائي لتطال أسس البنية الحضارية للنظام الرأسمالي العالمي ذاته. وفي محاولة هذا النظام للتكيف مع حدوده البيئية وتجاوز مأزقه التاريخي، انبثقت عقلانية سياسية واقتصادية جديدة تحت لافتات “التحول الأخضر”، و”اقتصاد الصفر الصافي”، و”الاستدامة البيئية”. غير أن التحليل النقدي المعمق يظهر أن هذا التحول لا يمثل قطيعة مع المنطق الاستعماري التأسيسي للحداثة الرأسمالية، بل هو إعادة ضبط وإعادة تدوير متقدمة لعلاقات الهيمنة البنيوية بين مراكز رأس المال العالمي وأطرافه، في ما يُصطلح عليه بـ “الاستعمار الأخضر”. إن استيعاب هذا المفهوم على نحو راسخ يستلزم تفكيكه فلسفياً، واقتصادياً، وسياسياً، وبيئياً، بوصفه نسقاً شمولياً يعيد موضعة الأرض والإنسان في الجنوب العالمي ضمن دائرة التضحية والاستنزاف لصالح استدامة أنماط الحياة المترفة في الشمال المتقدم.
يتأسس الجذر النظري والفلسفي للاستعمار الأخضر على ما يسميه فلاسفة البيئة النقدية بـ “التناقض الثاني للرأسمالية”، حيث تؤدي قوى الإنتاج إلى تدمير شروط الإنتاج الطبيعية ذاتها. ولمعالجة هذا التناقض دون المساس بمنطق التراكم والنمو اللانهائي، يعمد النظام إلى “تسليع الأزمة” وتوسيع الحدود السلعية لتشمل وظائف النظام الحيوي للأرض كعزل الكربون، والاحتجاز المائي، والتنقية الهوائية. هنا، يتم استبدال علاقة التكافل الحيوي التاريخية بنموذج عقلنة تكنوقراطية مجردة، حيث تتحول الغابات والأراضي المشاعية في الجنوب العالمي إلى أصول رأسمالية ووحدات قياس مالية تُتداول في البورصات تحت مسمى “أرصدة تعويض الكربون”. يكمن العنف البنيوي في هذه الآلية في كونها تتيح للشركات متعددة الجنسيات والدول الصناعية الكبرى مواصلة تلويثها الممنهج وتجاوزاتها البيئية، مقابل شراء “براءة ذمة إيكولوجية” تترجم على أرض الواقع إلى استيلاء واسع على أراضي المجتمعات الأصلية والفلاحية في الجنوب، وإقصائها عبر ممارسات “حفظ القلاع” التي تجرد السكان من حقهم في البقاء والسيادة على موائلهم الطبيعية تحت ذريعة حماية الطبيعة العذراء.
وعلى مستوى الاقتصاد السياسي والمادي، يُكذّب التحليل العميق لأسس “التحول الطاقي” أسطورة النقاء البيئي غير المادي للتقنيات الحديثة. فالانتقال من نموذج الوقود الأحفوري إلى الطاقات المتجددة والبنية التحتية الكهربائية لا يعني تخفيف الاستخراج المادي، بل يمثل انتقالاً نوعياً نحو “نزعة استخراجية مفرطة” ترتكز على المعادن الانتقالية الحرجة؛ كالليثيوم، والكوبالت، والنيكل، والغرافيت، والأتربة النادرة. تنكشف المفارقة في التوزيع الجغرافي الطبقي لهذه العملية: تُستنزف الموارد وتُدمر النظم المائية والبيئية وتُسحق حقوق العمال والمجتمعات في حزام الكوبالت في الكونغو الديمقراطية، وصحراء أتاكاما في أمريكا اللاتينية، ومناجم إندونيسيا، لكي تُصنّع بطاريات المركبات الكهربائية ومحطات الرياح التي تُباع وتُستخدم في المراكز الحضرية الغربية لخفض انبعاثاتها المحلية وتحسين جودة هوائها. إن ما يجري فعلياً هو إعادة تصدير ونقل قسري للأعباء البيئية والسموم من المركز إلى الهامش، مكرساً مقولة “مناطق التضحية البيئية” كشرط هيكلي لا مفر منه لرفاه المركز وتخضيره الزائف.
ويتخذ الاستعمار الأخضر بعداً استراتيجياً فجاً في قطاع “تصدير الطاقة النظيفة”. تظهر مشاريع الهيدروجين الأخضر وحقول الطاقة الشمسية والريحية الضخمة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط والساحل كأحدث أشكال التبعية الطاقية المركبة. ففي كثير من الأحيان، تُنتزع مساحات شاسعة من أراضي الرعاة والفلاحين وتُستهلك الموارد المائية النادرة والشحيحة في عمليات التحلية وإنتاج الهيدروجين، ليتم شحن هذه الطاقة النظيفة عبر خطوط أنابيب وكابلات بحرية لتغذية المصانع والشبكات الأوروبية ومساعدتها في تحقيق مستهدفاتها المناخية الصارمة، بينما تترك المجتمعات المحلية ترزح تحت وطأة الجفاف، وفقدان سبل العيش، وفقر الطاقة الحاد. يعكس هذا النمط جوهر العلاقة الاستعمارية الكلاسيكية: امتصاص المادة الخام والقوة الحيوية من المستعمرة لتشغيل محركات المتروبول، تاركاً وراءه الهشاشة والتخلف البنيوي.
وفي البعد الإبستمولوجي والمعرفي، يمارس الاستعمار الأخضر عنفاً رمزياً يتمثل في فرض الهيمنة المعرفية الغربية ونفي بدائلها. يُختزل الخطاب البيئي العالمي في تقارير تكنوقراطية، ونماذج حوسبة بيانية، وحلول تكنولوجية سوقية يُشرف عليها خبراء المؤسسات المالية الدولية وصناديق التحوط البيئي، متجاهلين بشكل منهجي المعارف البيئية والبيولوجية المتوارثة للمجتمعات الأصلية التي حافظت على استدامة تلك النظم البيئية عبر القرون دون تدميرها. يُعامل السكان المحليون إما كـ “معتدين بيئيين” متخلفين يجب تهذيبهم وتجريدهم من أراضيهم، أو كحراس غير مأجورين لحماية أصول الشركات العالمية، مما يصادر أي إمكانية لبناء نماذج سيادة غذائية وبيئية مستقلة تنبع من الخصوصيات المحلية والتاريخية لشعوب الجنوب.
وتكتمل هذه البنية الاستعمارية من خلال استثمار “المسؤولية المناخية التاريخية” كأداة للابتزاز المالي والسياسي. فرغم أن دول الشمال الصناعي هي المسؤولة عن أكثر من سبعين في المئة من الانبعاثات التراكمية التاريخية المسببة للاحتباس الحراري، إلا أنها تتنصل من سداد “دينها المناخي” عبر تحويل التعويضات والالتزامات الدولية إلى قروض ميسرة، وسندات خضراء، واستثمارات مشروطة تثقل كاهل الدول النامية بمزيد من الديون السيادية والارتهان الهيكلي. إن هذه القروض لا تكتفي بامتصاص الفوائض المالية للجنوب، بل تجبره على تبني حزم إصلاح نيوليبرالية تفتح قطاعات الأراضي، والغابات، والمياه، والطاقة أمام الخصخصة والاستثمار الأجنبي المباشر.
إن تفكيك الاستعمار الأخضر لا يعني إنكار أزمة المناخ أو التراجع عن ضرورة التحول البيئي، بل يعني التأكيد الحاسم على أن التحول البيئي لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية والتحرر الجيوسياسي. إن أي مشروع بيئي لا يضع في قلبه تصفية علاقات التبعية الاستعمارية، وتفكيك منطق التراكم الرأسمالي القائم على الاستخراج الجائر، وإسقاط الديون المناخية غير الشرعية، واستعادة السيادة الشعبية على الأرض والموارد، ليس سوى محاولة لترميم نظام استغلالي مأزوم بغطاء أخضر. إن خلاص الأرض وساكنيها لا يكمن في ابتكار أسواق مالية للبيئة أو نقل الأعباء السامة إلى الشعوب الأكثر هشاشة، بل في نضال أممي متكامل يعيد صياغة علاقة الإنسان بالطبيعة خارج منطق السلعة، وعلاقة الشعوب ببعضها خارج منطق الهيمنة والاستعمار.




