ورقة سياسات تدعو لحوار وطني شامل لإعادة بناء الدولة وإنهائها من "عسكرة السياسة"
متابعات
أصدرت منظمة “أفريقيا العدالة – السودان” (Justice Africa Sudan) ورقة سياسات جديدة تسلط الضوء على الأزمة الهيكلية الممتدة في السودان، مؤكدة أن البلاد تخوض واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث، وتطرح أفقاً شاملاً لإدارة حوار وطني يهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية ودستورية دائمة.
وأوضحت الورقة، التي أعدها الخبير والناشط الحقوقي حافظ إسماعيل محمد، مدير المنظمة، أن تعثر السودان في اعتماد دستور دائم منذ استقلاله عام 1956 ليس محض مصادفة، بل هو نتاج مباشر لتغليب المصالح الضيقة للنخب، والتدخلات العسكرية المتكررة، وغياب التوافق الوطني الإجماعي.
جذور الأزمة الهيكلية وعسكرة الحياة السياسية
واستعرض التقرير العوامل التاريخية والسياسية التي أدت إلى تفاقم الأوضاع، مشيراً إلى أن النكوص عن الالتزامات الوطنية—بدءاً من نقض العهود الممنوحة لجنوب السودان بالحكم الفيدرالي وصولاً إلى تعطيل اتفاقية أديس أبابا—كان الشرارة التي غذت الحروب الأهلية الممتدة وأدت في النهاية إلى انفصال الجنوب عام 2011.
كما أبرزت الورقة تأثير الانقلابات العسكرية المتعاقبة على تجريف الحياة السياسية وإضعاف المؤسسات المدنية، حيث تحولت القوات المسلحة السودانية على مدى عقود إلى فاعل سياسي واقتصادي رئيسي، إلى جانب انتشار الميليشيات والجماعات المسلحة. وأكد التقرير أن النزاع الراهن بين الجيش وقوات الدعم السريع تسبب في نزوح أكثر من 13 مليون شخص، وتدمير للبنية التحتية، ونشوء “اقتصاد حرب” تسيطر فيه أطراف النزاع على الموارد الأساسية كالذهب والزراعة.
رؤية متكاملة للحل: خريطة طريق من خمسة مسارات
وللخروج من هذه الأزمة، قدمت الورقة مقترحاً لهيكل حوار وطني يبدأ بمرحلة تحضيرية تمتد من 3 إلى 6 أشهر تشمل تشكيل “لجنة حوار مستقلة” وإجراء مشاورات واسعة داخل البلاد وفي الشتات. وينقسم الحوار إلى خمسة مسارات موضوعية رئيسية:
- الحكم والإصلاح الدستوري: وضع المبادئ الحاكمة للدستور الدائم، وتحديد نظام الحكم واللكماركزية، وضمان الرقابة المدنية لمنع الانقلابات.
- إصلاح القطاع الأمني وتوحيد القوات: وضع خارطة طريق لدمج وتفكيك الميليشيات، وإعادة بناء جيش مهني وقومي موحد تحت سلطة مدنية.
- بناء السلام والتلاحم الاجتماعي: معالجة الاستقطاب القبلي والعرقي، وتسهيل العودة الطوعية للنازحين واللاجئين.
- التعافي الاقتصادي: تفكيك بنية اقتصاد الحرب، وحوكمة إدارة الموارد الطبيعية كالذهب والنفط، وتوجيه التنمية للمناطق المهمشة.
- العدالة الانتقالية والمحاسبة: إنشاء آليات حقيقة وعدالة هجينة لمعاقبة مرتكبي الفظائع وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.
تفكيك “عسكرة العقول” كشرط للسلام المستدام
وشدد التقرير على أن النجاح في تحول السودان لا يتطلب إصلاح المؤسسات فحسب، بل يمتد إلى ضرورة “نزع السلاح من العقول” وتغيير الثقافة السياسية العنيفة التي طبعت الحياة العامة. ودعت الورقة إلى تعزيز التثقيف المدني، ودعم الفضاء المدني المستقل، وإدماج مبادرات الاستجابة المحلية (مثل غرف الطوارئ) في جهود التعافي الوطني.
واختتمت المنظمة ورقتها بالتأكيد على أن أي حوار وطني لا يحظى بضمانات إقليمية ودولية (من الاتحاد الأفريقي، إيغاد، والأمم المتحدة) ومشاركة حقيقية لجميع المكونات السودانية سيبقى عرضة للانتكاس والمناورة من قبل أطراف الصراع.




