اخبار السودان
أخر الأخبار

الضحايا السودانيون : تشابك العنف المادي والرمز والمعنوي وضرورات الانتباه

د. عبدالناصر علي الفكي

الضحايا السودانيون : تشابك العنف المادي والرمز والمعنوي وضرورات الانتباه.

د. عبدالناصر علي الفكي

أستاذ علم الاجتماع.

شهد السودان منذ استقلاله عام 1956 أشكالاً متباينة من العنف مارستها الدولة ومؤسساتها الأمنية تجاه مواطنيها، وتركت هذه الممارسات ضحايا تتفاوت معاناتهم بين ما هو جسدي مادي ملموس وما هو معنوي رمزي لا يقل خطورة، إذ لا يمكن فهم حالة الضحايا في السودان دون تفكيك العناصر المتراكبة لإنتاج عنف الدولة. المفهو الدارج فالضحايا الناتج عن الانتهاك الجسدي والعنف المادي هي الأكثر ظهوراً في السرديات التاريخية، من قتلى ثورات وانتفاضات التغيير ، إلى ضحايا الحروب الأهلية المتعاقبة ومأساة دارفور التي أودت بحياة مئات الآلاف وشردت الملايين، وهؤلاء جميعاً يحتاجون إلى عدالة جنائية وتعويضات مادية فردية وجماعية تشمل دية وأرشفة وانتعاشاً اقتصادياً وإعادة تأهيل صحي ونفسي، لكن التعويض المادي وحده لا يكفي ما لم يقترن باعتراف رسمي موثق يرد الاعتبار للضحايا ويكتب تاريخهم في الذاكرة الوطنية كاوتاد للسلام والعدالة. وإلى جانب ذلك تقف مجموعة أخرى من الضحايا أنتجها العنف الرمزي بمفهوم بيير بورديو، حيث مارست الدولة عبر اللغة والتصنيفات المعرفية والمناهج التعليمية والخطاب الديني سلطة تجعل المحكوم يقبل دون وعي موقعها الأدنى، فسياسات الأسلمة القسرية في عهد نيميري التي فرضت على غير المسلمين في الجنوب لم تكن مجرد قرارات قانونية بل عنفاً رمزياً أعاد إنتاج التهميش وشرعن الحرب، والتعويض عن هذا النوع لا يكون مالياً بل بإصلاح بنيوي يعيد صياغة المناهج والخطاب العام ويضمن حياد الدولة تجاه التنوع الديني والثقافي. أما العنف الثقافي الاجتماعي المتمثل في الإذلال وصناعة الكراهية والاستبعاد من المواطنة والتعامل مع فئات بعينها بدرجة أدنى، فقد تجلى أوضح ما تجلى في دارفور حيث استُهدف المدنيون بالوصم والتهجير الجماعي فجردوا فعلياً من معنى المواطنة الكاملة، وهذا النوع من الضرر يترك جراحاً نفسية واجتماعية عميقة تحتاج إلى تدخلات مجتمعية طويلة المدى تشمل حواراً وطنياً شاملاً ومصالحة حقيقية تستمع فيها المجتمعات المتضررة لاحتياجاتها وتقرر أولويات إعادة تأهيلها بنفسها. إن المقاربة المهنية السليمة لأي تدخل مع ضحايا السودان تقتضي التمييز بين هذه الأنساق الثلاثة لأن لكل منها أثراً مختلفاً ولمتطلبات جبره أدوات مختلفة، فالتعويض عن القتل والتشريد يحتاج إلى محاسبة جنائية وتعويض مالي وإعادة إعمار، والتعويض عن العنف الرمزي يحتاج إلى إصلاح تشريعي ومؤسسي واعتراف رسمي بالضرر، والتعويض عن العنف الثقافي يحتاج إلى إعادة بناء الثقة الاجتماعية ومنع خطاب الكراهية وضمان مواطنة متساوية لا تمييز فيها. غير أن الواقع السوداني يفرض تحديات جسيمة أمام أي مسار للتعويض، فأعمال العنف لم تتوقف عند لحظة تاريخية بعينها بل تجددت في حرب 2023 وما بعدها حتى بات ملايين الضحايا نازحين داخل البلاد أو لاجئين خارجها لا يستطيعون العودة إلى ديارهم للمطالبة بحقوقهم، كما أن ضعف التوثيق وقلة الوصول إلى مسارح الجرائم والشهود يجعل التحقق من حجم الانتهاكات أمراً عسيراً، والأخطر من ذلك غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى النخب المتعاقبة للاعتراف بالمسؤولية التاريخية عن العنف، إذ ظل العنف أداة حكم لا موضوعاً للمحاسبة. لذلك فإن أي حديث عن تعويض الضحايا في السودان لا يستقيم إذا اختُزل في صرف مبالغ مالية أو إجراءات شكلية، بل يجب أن يكون مشروعاً وطنياً شاملاً يقوم على ثلاث ركائز متكاملة: الاعتراف بالحقائق بما فيها العنف الجسدي والرمزي معاً، وإصلاح الهياكل التي تنتج التمييز والإقصاء، وإعادة بناء النسيج المجتمعي عبر مصالحة حقيقية تضع كرامة الضحية وإنسانيتها وحقوقها في مركز أي تدخل، لأن حفظ الكرامة ليس تفضلاً على الضحايا بل الأساس الذي بدونه يبقى أي تعويض إجراءً ناقصاً لا يبلغ جوهر الضرر ولا يعيد للإنسان السوداني ما سُلب منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى