السودان: دولة تهدم بيوت مواطنيها بدلاً من أن تبني لهم وطناً.. إرث التمييز العنصري من الاستعمار إلى حكومة البرهان.
جعفر محمدين عابدين gafertamok@gmail.com
منذ فجر استقلال السودان عام 1956، ظل المواطن السوداني يدفع ثمن إخفاقات الدولة المتعاقبة، التي عجزت عن بناء مشروع وطني يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ بين الفرص. توزيع حقيقي للتنمية وموارد السودان. فعلى الرغم من تعاقب الحكومات المدنية والعسكرية، واختلاف الشعارات السياسية والأيديولوجيات، ظلت هناك أزمة عميقة وممتدة في علاقة الدولة بمواطنيها؛ أزمة تتجلى في التهميش، والإقصاء، والتمييز، وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة والفرص والحقوق الأساسية.
لقد ورث السودان عند استقلاله دولة تشكلت مؤسساتها خلال الحقبة الاستعمارية، ولم تنجح الحكومات الوطنية المتعاقبة في تفكيك كثير من البنى السياسية والإدارية والاجتماعية التي كرّست التفاوت بين مكونات المجتمع السوداني. وبدلاً من تأسيس دولة حديثة تتجاوز إرث الاستعمار، أعادت أنظمة الحكم المختلفة إنتاج كثير من تلك الاختلالات، وأصبح الانتماء الجغرافي والعرقي والجهوي، وفي حالات عديدة لون البشرة، من العوامل التي تؤثر في علاقة المواطن بمؤسسات الدولة ومدى تمتعه بحقوقه.
ولعل أكثر ما يكشف عمق هذه الأزمة هو التعامل مع قضايا السكن والأرض والتخطيط العمراني، خاصة في المناطق التي يسكنها أبناء المجتمعات المهمشة، ومن بينها مجتمعات الكنابي بولاية الجزيرة.
@ هدم المنازل.. حين تتحول الدولة من حامٍ للمواطن إلى مصدر لتهديده
إن ما تشهده بعض المناطق من عمليات إزالة وهدم للمنازل، وما يترتب عليها من تشريد الأسر وترك النساء والأطفال وكبار السن في العراء، يطرح أسئلة خطيرة حول طبيعة الدولة السودانية وأولوياتها.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الدولة مسؤولة عن توفير السكن اللائق، والتخطيط العمراني، وتطوير البنية التحتية، وتوفير المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية، نجد أن بعض السلطات تلجأ إلى الحل الأمني والإداري الأكثر قسوة: هدم المنازل وإزالة مساكن المواطنين، دون أن تكون هناك بالضرورة حلول سكنية بديلة تحفظ كرامة المتضررين وحقوقهم.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه به المسؤولون أنفسهم هو: إذا كانت هذه المناطق غير مخططة، فمن المسؤول عن نشأتها واستمرارها لعقود طويلة؟ أليس من واجب الدولة أن تضع خططاً عمرانية واضحة، وأن توفر الأراضي السكنية، وأن تنظم عمليات البناء، وأن تقدم الخدمات الأساسية قبل أن تتحدث عن الإزالة والهدم؟
كيف يمكن لدولة أن تتجاهل وجود تجمعات سكانية لعشرات السنين، وتسمح بامتدادها دون معالجة جادة، ثم تستيقظ فجأة لتتعامل مع سكانها باعتبارهم مخالفين لا يستحقون الحماية أو البدائل؟
إن غياب التخطيط العمراني لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لمعاقبة المواطنين، خصوصاً الفئات الفقيرة والمهمشة، التي لم تجد أمامها خيارات سكنية أخرى.
## الكنابي في الجزيرة.. قضية تتجاوز حدود السكن
@ تمثل قضية الكنابي في ولاية الجزيرة واحدة من أبرز القضايا التي تكشف أزمة العدالة الاجتماعية والحقوق السكنية في السودان.
فالكنابي ليست مجرد تجمعات سكانية عشوائية كما يحاول البعض اختزالها، بل هي مجتمعات ارتبط تاريخها بالعمل الزراعي والإنتاج في مشروع الجزيرة، وأسهم سكانها لعقود طويلة في توفير الأيدي العاملة التي قامت عليها قطاعات واسعة من النشاط الزراعي والاقتصادي في الولاية.
لقد عملت أجيال من أبناء هذه المجتمعات في الزراعة، وتحملوا ظروفاً معيشية صعبة، وأسهموا في الإنتاج والتنمية، بينما ظلت قطاعات واسعة منهم تعاني ضعف الخدمات الأساسية، وغياب التخطيط السكني، ومحدودية فرص التعليم والصحة والتنمية.
ومن المفارقات المؤلمة أن المجتمعات التي أسهمت في بناء الاقتصاد الزراعي لا تزال تواجه تحديات تتعلق بحقوقها الأساسية في السكن والاستقرار والاعتراف الاجتماعي.
والأكثر إثارة للقلق أن عمليات إزالة المساكن، عندما تقع بصورة انتقائية أو تستهدف مناطق بعينها دون غيرها، تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول وجود تمييز في تطبيق القانون، ومدى ارتباط هذه السياسات بالخلفيات العرقية والاجتماعية لسكان تلك المناطق.
إن الادعاءات المتعلقة باستهداف المواطنين بسبب العرق أو لون البشرة ليست اتهامات عابرة يمكن تجاهلها، بل تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، خاصة عندما تتكرر عمليات الإزالة في مجتمعات مهمشة تاريخياً.
فالقانون لا تكون له قيمة حقيقية إذا طُبق بصورة انتقائية، أو إذا أصبح وسيلة لمعاقبة فئات اجتماعية بعينها، بينما تُترك أوضاع مماثلة في مناطق أخرى دون معالجة عادلة.
@حكومة البرهان وإعادة إنتاج إرث الدولة القديمة
إن حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليست بمعزل عن تاريخ الدولة السودانية وأزمتها البنيوية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بأسماء الحكام أو طبيعة الأنظمة، وإنما بنمط الحكم والمؤسسات والسياسات التي ظلت تعيد إنتاج التهميش والإقصاء.
لقد شهد السودان منذ الاستقلال أنظمة متعددة، بعضها رفع شعارات التنمية والعدالة، وبعضها تحدث باسم الدين والوطنية والثورة، لكن المواطن ظل في كثير من المناطق الطرف الأضعف في علاقته بالسلطة.
ومن هنا، فإن استمرار السياسات التي تؤدي إلى إفقار المجتمعات المهمشة وتشريدها وحرمانها من حقوقها الأساسية يمثل امتداداً لأزمة تاريخية لم تتم معالجتها بصورة جذرية.
إن الاستعمار لم يكن مجرد وجود عسكري أجنبي انتهى برفع العلم الوطني، بل ترك أيضاً بنى إدارية واقتصادية واجتماعية غير متكافئة. وكان من المفترض أن يكون الاستقلال بداية لتفكيك تلك البنى وإعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة، لكن ما حدث في محطات عديدة هو إعادة إنتاجها بأيدٍ وطنية وواجهات سياسية مختلفة.
ولهذا يمكن القول إن بعض ممارسات الدولة السودانية المعاصرة تعكس استمرار إرث استعماري قديم بثوب وطني جديد؛ إرث يقوم على تفاوت قيمة المواطنين، ومركزية السلطة، وتهميش الأطراف، وغياب المساواة الفعلية.
@ أين التخطيط؟ ولماذا لا تبني الدولة مدناً وقرى نموذجية؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا لا تتجه الحكومات السودانية إلى معالجة مشكلات السكن والتخطيط العمراني من جذورها؟
لماذا لا تُخصص ميزانيات لتخطيط القرى والمدن النموذجية، وتوفير الأراضي السكنية، وإنشاء شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وبناء المدارس والمراكز الصحية، وتطوير الطرق والخدمات العامة؟
لماذا لا تتحول المناطق التي تعاني ضعف التخطيط إلى مشروعات تنموية متكاملة بدلاً من أن تتحول إلى ساحات لعمليات الهدم والإزالة؟
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالجرافات، ولا تتحقق بتدمير ممتلكات المواطنين، وإنما تبدأ بفهم احتياجات المجتمعات، وإشراك السكان في القرارات التي تمس حياتهم، ووضع حلول مستدامة تضمن حقوقهم وتحفظ كرامتهم.
وإذا كانت هناك ضرورة قانونية أو مصلحة عامة تستدعي إعادة التخطيط أو إزالة بعض المباني، فإن ذلك يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية عادلة وشفافة، وبعد التشاور مع السكان، والتحقق من حقوقهم، وتوفير التعويضات المناسبة والسكن البديل قبل تنفيذ عمليات الإزالة.
أما ترك الأسر في العراء، دون مأوى أو تعويض أو بديل، فهو انتهاك لجوهر المسؤولية التي يفترض أن تضطلع بها الدولة تجاه مواطنيها.
@لون البشرة لا ينبغي أن يكون معياراً للحقوق
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن يشعر جزء من مواطنيها بأن حقوقهم وكرامتهم وحماية ممتلكاتهم تختلف باختلاف أصولهم العرقية أو لون بشرتهم أو مناطق انتمائهم.
فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات والهويات، وكان من المفترض أن يكون هذا التنوع مصدر قوة ووحدة، لا أساساً للتمييز والتصنيف الاجتماعي.
ولا يمكن بناء دولة مستقرة بينما يشعر مواطن بأن منزله معرض للهدم لأنه ينتمي إلى مجموعة اجتماعية معينة، أو أن حقوقه في الأرض والسكن أقل من حقوق غيره.
إن المواطنة ليست شعاراً سياسياً يُرفع في المناسبات، وإنما هي حقوق متساوية أمام القانون، وحماية متساوية من مؤسسات الدولة، وفرص عادلة في التعليم والصحة والعمل والسكن والمشاركة السياسية.
ومن حق أي مواطن سوداني، أياً كان عرقه أو لونه أو أصله الاجتماعي، أن يعيش آمناً في منزله، وأن يتمتع بالحماية القانونية، وألا يكون ضحية لسياسات التمييز أو الإقصاء.
@ما المطلوب من الدولة السودانية؟
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب الانتقال من سياسة الإزالة والهدم إلى سياسة التخطيط والتنمية والعدالة، وذلك من خلال:
1. وقف عمليات الهدم والإزالة التي تتم دون ضمانات قانونية واضحة، ودون توفير سكن بديل للمتضررين.
2. إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الادعاءات المتعلقة بالتمييز العنصري أو الانتقائية في استهداف المناطق السكنية.
3. الاعتراف بالحقوق السكنية والمجتمعية لسكان الكنابي، ومعالجة أوضاعهم القانونية بصورة عادلة.
4. وضع خطة وطنية لتطوير الكنابي وتحويلها إلى قرى وتجمعات سكنية مخططة، تتوفر فيها الخدمات الأساسية.
5. ضمان مشاركة المجتمعات المحلية في القرارات المتعلقة بالأراضي والسكن والتخطيط العمراني.
6. محاسبة كل من يثبت تورطه في انتهاكات حقوق المواطنين أو استغلال سلطته للإضرار بممتلكاتهم دون سند قانوني.
إن هذه المطالب ليست امتيازات تطلبها مجموعة اجتماعية بعينها، وإنما حقوق أساسية ينبغي أن يتمتع بها جميع السودانيين دون استثناء.
@ السودان الذي نريده.. دولة تبني ولا تهدم
إن مأساة السودان لا تكمن فقط في الحروب والانقلابات والصراعات السياسية، بل في غياب المشروع الوطني الذي يجعل الإنسان وكرامته محوراً لوجود الدولة.
فالدولة ليست حدوداً جغرافية، ولا مؤسسات أمنية، ولا سلطة حاكمة، وإنما هي عقد اجتماعي يقوم على حماية المواطنين وضمان حقوقهم وتحقيق العدالة بينهم.
ولا يمكن الحديث عن بناء السودان الجديد بينما تستمر الممارسات التي تجعل المواطن يخشى على منزله وأسرته ومستقبله بسبب هويته الاجتماعية أو العرقية.
لقد آن الأوان لأن يدرك صناع القرار أن معالجة قضايا السكن والأرض لا تكون بالجرافات، وأن مواجهة الفقر والتهميش لا تكون بتشريد الفقراء، وأن فرض هيبة الدولة لا يتحقق بإذلال مواطنيها.
إننا لا نطالب الدولة بمنحنا امتيازات على حساب الآخرين، ولا نطالب بحقوق تتجاوز حقوق بقية السودانيين، بل نطالب بالمساواة والعدالة والاعتراف بحقوق المواطنين، وبأن تكون الدولة حامية للجميع دون تمييز.
فأي دولة هذه التي تعجز عن بناء قرية نموذجية لمواطنيها،لتمتع بها بخدماتها . لكنها تمتلك الجرافات لهدم منازلهم علي اساس عنصري بغيض ؟ وأي وطن هذا الذي يُترك فيه المواطن في العراء بدلاً من أن يجد فيه الأمان والاستقرار في السودان.
إن السودان الذي نحلم به ليس دولة تهدم بيوت الفقراء والمهمشين، بل دولة تبني لهم المدن والقرى، وتوفر لهم فرص الحياة الكريمة، وتحمي حقوقهم دون النظر إلى لون بشرتهم أو أصولهم أو انتماءاتهم.
فالأوطان لا تُبنى بهدم منازل المواطنين، ولا تُصان كرامتها بإذلالهم، وإنما تُبنى بالعدالة والمساواة واحترام الإنسان.




