اخبار السودان
أخر الأخبار

الكنابي ليست كيانات منبتة.. بل ضحية تاريخ طويل من العنصرية والإقصاء

جعفر محمد عابدين

رد على د. محمد بشير عبادي

ليس من حق أحد أن يتحدث باسم العدالة، بينما يبرر هدم منازل المواطنين وتشريد الأسر والأطفال. فالدولة المحترمة لا تبدأ بإزالة مساكن المواطنين وتركهم في العراء، بل تضع خططاً إسكانية عادلة، وتوفر البدائل السكنية الملائمة، وتحفظ الحقوق القانونية والإنسانية لجميع المواطنين دون تمييز.

إن مؤتمر الكنابي لم ينشأ للدفاع عن العشوائيات، كما تحاول تصويره، وإنما جاء لكشف حجم العنصرية البغيضة والإقصاء الممنهج الذي يتعرض له إنسان الكنابي في وسط السودان منذ عقود طويلة. إن اختزال قضية الكنابي في مجرد تعدٍّ على الأراضي ليس سوى تضليل متعمد، ومحاولة لتجاهل تاريخ طويل من التهميش والاستغلال والحرمان من الحقوق الأساسية.

أما اتهام مؤتمر الكنابي بمناصرة قوات الدعم السريع، فهو محض افتراء وكذبة سياسية وعنصرية يراد من خلالها تشويه إنسان الكنابي، وإعادة إنتاج خطاب الإقصاء الذي استُخدم ضده في مراحل تاريخية سابقة.

لقد شهدنا مثل هذه الاتهامات خلال اتفاقية السلام الشامل (CPA) بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، حين جرى الترويج بأن سكان الكنابي جميعهم ينتمون إلى الحركة الشعبية، في خطاب عنصري مقيت استُخدم لتبرير استهدافهم. كما تكررت الممارسات ذاتها عقب دخول حركة العدل والمساواة السودانية، بقيادة الدكتور خليل إبراهيم، إلى أم درمان في عملية «الذراع الطويل» عام 2008، حيث تعرض أبناء الكنابي لأبشع صنوف الانتقام والتمييز، وشملت تلك الممارسات، بحسب ما ورد في شهادات وروايات متداولة، فصل عدد من أبناء الكنابي من الكلية الحربية وإحالة ضباط من القوات المسلحة السودانية.

واليوم، في ظل الحرب الدائرة منذ 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، يُعاد تدوير الاتهامات ذاتها، وكأن إنسان الكنابي محكوم عليه دائماً بأن يكون شماعة للأزمات السياسية والعسكرية في السودان.

والأكثر فجاجة أن تُوجَّه هذه الاتهامات إلى مجتمعات الكنابي، بينما ارتكبت قوات الدعم السريع، بقيادة أبو عاقلة كيكل قبل انشقاقه عنها، انتهاكات ومجازر بحق أهلنا في الجزيرة، ومن بينها مجتمعات الكنابي، وهي انتهاكات وثقتها جهات حقوقية ومنظمات دولية. كما صدرت عقوبات أوروبية بحق كيكل على خلفية انتهاكات منسوبة إليه. فكيف يستقيم منطق من يتجاهل معاناة الضحايا، ثم يتهمهم بالانحياز إلى الجهة التي ارتكبت الانتهاكات بحقهم؟

إن محاولة إلصاق تهمة دعم المليشيا بمجتمع بأكمله ليست فقط مغالطة سياسية، بل هي جريمة أخلاقية بحق مواطنين سودانيين، ومحاولة خطيرة لتحويل الضحايا إلى متهمين، وتبرير استهدافهم على أساس الأصل واللون والانتماء الاجتماعي.

أما قضية إزالة الكنابي، فالسؤال الذي يجب أن يواجه به دعاة الإزالة هو:

هل توجد دولة تحترم مواطنيها تبدأ بإزالة منازلهم وتشريدهم دون توفير بدائل سكنية عادلة تحفظ كرامتهم وحقوقهم؟ وهل تُختزل العدالة في استرداد الأرض، بينما يُترك المواطن بلا مأوى ولا حماية ولا ضمانات قانونية؟

إن ملكية الأراضي تُحسم بالقانون والقضاء العادل، وليس بخطاب الكراهية أو التحريض على فئة اجتماعية بعينها. وإذا كانت هناك مخالفات قانونية، فلتُعالج وفق إجراءات قانونية شفافة ومنصفة، بعيداً عن الانتقائية والتمييز العرقي والاجتماعي.

كما أن آلاف القرى والتجمعات السكنية في السودان تفتقر إلى التخطيط العمراني الرسمي أو الوثائق القانونية الكاملة، فهل ستُعامل جميعها بالمعايير ذاتها؟ أم أن القانون سيُستخدم بصورة انتقائية لاستهداف مجتمعات الكنابي دون غيرها؟

إن ما يجري ليس حدثاً معزولاً عن سياقه التاريخي، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من عمليات الهدم والتهجير والانتهاكات التي تعرضت لها مجتمعات الكنابي عبر حقب سياسية متعددة. ومن ثم، فإن الحديث عن إزالة العشوائيات لا يمكن أن يكون غطاءً لتصفية حسابات اجتماعية أو إعادة إنتاج سياسات الإقصاء.

الكنابي ليست كيانات منبتة، وأهلها ليسوا غرباء عن السودان .

إنهم مواطنون سودانيون أصيلون، لهم تاريخهم وحقوقهم وكرامتهم، ولهم إسهامات حقيقية في ثورات التحرر الوطني، منذ عهد الدولة المهدية وحتى اليوم. ولن يستطيع أي خطاب عنصري أن ينتزع منهم حقهم في الانتماء إلى وطنهم.

إن من يصف مجتمعات الكنابي بالكيانات المنبتة، هو الذي يحتاج إلى مراجعة مفهومه للوطن والمواطنة. فالسودان ليس ملكاً لفئة أو قبيلة أو لون، بل وطن يتسع لجميع أبنائه، وتُصان فيه الحقوق على أساس المواطنة المتساوية.

إن مؤتمر الكنابي سيظل صوتاً في مواجهة العنصرية والإقصاء، ومدافعاً عن حقوق المجتمعات المهمشة، ولن ترهبه حملات التشويه أو الاتهامات السياسية الرخيصة.

نحن مع دولة القانون، لا دولة الإقصاء؛ ومع استرداد الحقوق، لا تشريد المواطنين؛ ومع العدالة للجميع، لا عدالة تُفصّل على أساس اللون أو الأصل أو الانتماء.

فالحقوق لا تُمنح بالاستعلاء، والكرامة لا تُصادر بالتحريض، والمواطنة لا تُنتزع بخطاب الكراهية.

مركزية مؤتمر الكنابي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى