اخبار السوداناخبار المنظماتتحليلات وتقارير
أخر الأخبار

أقبية الدولة العميقة في السودان: من تديجين المؤسسات إلى هندسة الحرب وإجهاض الثورة (9)

بقلم ادم راشد المحامي

كتاب العدالة الانتقالية في خريطة الخديعة ومأزق الانتقال

 المبطن بالخراب: إما أن نحكمكم أو ندمرها عليكم، وظهرت على السطح اصوات كثيرة تعلن عن وجودها في مسرح الاحداث بقوة، ولعل ما صرح به الشيخ عبدالحي يوسف: من “ان هذه الحرب قد اعادت للحركة الاسلامية ألقها…” يؤكد بوضوح دورهم في اشعالها واستمرارها.

والاتفاق الاطاري رغم رأينا فيه ولكن للامانة كان حينها هو الطريق الوحيد المتاح لافشال انقلاب 25/ اكتوبر 2021 لانه ورائه الطيف الاكبر من قوى الثورة ومدعوم من قبل المجتمع الدولي والاقليمي الامر الذي يسر عمل الوساطة ” الرباعية” المكونة من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والامارات العربية، وكان الأمل فيها كبير لولا قطع الطريق عليها بالحرب.

آليات الإنكار ولجان التحقيق الوهمية وتزييف الذاكرة

من أبرز أدوات الدولة العميقة في إدارة الصراع هو سلاح السرديات المضادة والإنكار المنهجي. لقد اعتمدت على إنشاء لجان تحقيق عبثية ووهمية مثل لجنة التحقيق في مجزرة فض الاعتصام وغيرها، والتي صُممت عمداً لتموت في ردهات الروتين الرسمي المُدجن، بلا نتائج ولا محاسبة، لتكريس ثقافة الإفلات الأبدي من العقاب.

إلى جانب ذلك، نشطت آلات التضليل في ترويج الأكاذيب وتزييف الذاكرة الوطنية، كاختلاق السرديات التي تتهم الأطراف المدنية بالمسؤولية عن إشعال الحرب، أو تصوير الفلول كحماة للسيادة الوطنية والجيش، بينما هم المخططون الحقيقيون لتدمير مؤسسات الدولة معاً من أجل العودة إلى السلطة على أشلاء السودانيين. إن هذا التزوير الممنهج للواقع يهدف إلى شطب الوعي الجمعي الثوري وإدخال المجتمع في نفق من التشتت واليأس.

نحو التفكيك الجذري وبناء المستقبل

إن ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو المعركة الفاصلة بين مشروعين: مشروع الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة وسيادة حكم القانون، ومشروع الدولة العميقة القائم على الاستبداد والامتيازات الحزبية والجهوية. إن فهم طبيعة هذه الدولة العميقة بكل تشعباتها المؤسسية والمالية والحرس القديم هو الشرط الإلزامي الأول لأي عملية سلام أو انتقال مستقبلي ناجح.

ولن يُهزم هذا المكر إلا بوعي ثوري صلب، وجبهة مدنية ومقاومة شعبية لا تقبل بأنصاف الحلول، وتتمسك بلا مساومة بمطلب تفكيك التمكين، وإزالة كارتيلات الاستبداد، ومحاسبة كل من أجرم في حق هذا الشعب الأبي. فالطريق إلى الوطن ليس مساومة فوقية باهتة، بل هو استرداد كامل لسيادة الدولة من مخالب العبث والفلول، ليبقى فجر العدالة والحرية هو الحقيقة الباقية التي لا تُطمس ابدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى