اخبار السودان
أخر الأخبار

العقل السياسي السوداني بين سطوة الزعيم وغياب المشروع (1____________2)

بقلم: آدم أبكر عيسى

أصداء الوعي

بقلم: آدم أبكر عيسى

 

العقل السياسي السوداني بين سطوة الزعيم وغياب المشروع

 

(1____________2)

 

 

 

وهذه التنشئة السياسية لا تقوم إلا على التزامٍ راسخ بالأخلاق والقيم الإنسانية، وعلى صون كرامة الإنسان الذي هو أصل العمل وأصل الحكاية فما قيمة برنامجٍ سياسي يبني مؤسساتٍ وهو يهدم كرامات؟ وما جدوى مشروعٍ يستميل الجماهير وهو يستخف بإنسانيتها؟ إن الكادر الذي يُربَّى على احترام الإنسان، لا على استخدامه، هو وحده القادر على خدمة الوطن دون أن تتحول خدمته إلى وظيفةٍ أو تجارة فالإنسان، عندما يكون أصل العمل، تصبح السياسة رسالةً لا مُلكاً، وتصبح القيادة أمانةً لا غنيمة.

 

غير أن كل هذا البناء لن يكتمل ما لم يُقترن بتدرُّجٍ حقيقي للقيادات النسائية والشبابية في سُلَّم قيادة الأحزاب السياسية لا كشعارٍ يُرفَع في المناسبات، بل كممارسةٍ مؤسسية لها قواعدها وضماناتها. فالشباب هم وقود الحركة وعقلها في الوقت ذاته إذا أُتيح لهم التعلُّم لا التزيين، والنساء هنَّ نصف المجتمع وأكثر من نصف وجعه؛ وأي حزبٍ يُهمِّش نصفه ويُهمش طاقات المستقبل، فإنه يقطع على نفسه أسباب الاستمرار، ويُحوِّل نفسه إلى متحفٍ للرموز لا مشروعٍ للأجيال.

 

ثم إن التنشئة السياسية الحقيقية لا تكتمل بغياب التربية الوطنية التي تُصحِّح العلاقة بين الكادر والدولة. فمن عجائبنا أننا نرى من يريد إصلاح الوطن بإلغاء مؤسساته، وكأن الدولة تُبنى بالهدم لا بالبناء! إن مؤسسات الدولة جيشاً وشرطةً وقضاءً والخدمة المدنية هي العمود الفقري الذي يقوم عليه وجود الوطن، ووجود الخلل فيها لا يعني إلغاءها، بل يعني تقويمها وإصلاحها عبر برامج متفقٍ عليها، تصون جوهر المؤسسة وتُعيد إليها روحها. فالمؤسسة التي تُهدم لأنها أخطأت، تترك وراءها فراغاً يملؤه أسوأ منها والوطن الذي تتساقط مؤسساته واحدةً تلو الأخرى، يصبح جسداً بلا عظام، مهما علا خطاب من يتشدَّقون بالإصلاح.

 

إن بناء الدولة الديمقراطية يبدأ من بنية الأحزاب ذاتها عبر أحزابٌ قوية ببرامجها، راسخة بقيمها ومبادئها الوطنية، تُغرس حب الوطن في كوادرها غرساً، وتدافع عن مؤسسات الدولة جميعاً صفاً واحداً حين يتربَّص العدو بالبلاد، ولو اختلفت الرؤى وتباعدت المواقف فالوطن فوق الذات، وفوق كل اعتبار. بهذا المعنى وحده تتحول الخصومة السياسية من حرب إلغاء إلى منافسة مشروعة نختلف في البرامج ونتنافس عليها، لكننا لا نمحو بعضنا بعضاً، ولا نستعين بروافع الغرباء للنيل من ثوب السلطة، فنمزِّق الوطن في سبيل الوصول إليه.

 

وهنا يأتي السؤال الجوهري كيف تُبنى هذه الأحزاب في بلدٍ التنوع كالسودان؟ إن التنوع الذي نفتخر به ونحن أحقُّ بالفخر. ليس عبئاً يُحمَل، بل ثروةٌ تُدار، لكنه يحتاج إلى برامج حزبية فاهمةً لهذا التنوع، قادرةً على جمع الجميع تحت سقف الوطن الواحد؛ برامج لا تخاطب مكوناً على حساب مكون، ولا تستميل هويةً بالنيل من أخرى. فالحزب الذي لا يتسع لكل السودانيين، لا يستحق أن يحكم السودان والسياسة التي تُمارس بوصفها صراع وجود لا صراع برامج، هي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.

 

إن كل ما تقدَّم يقودنا إلى حقيقة واحدة صارمة لا بدَّ من تغيير قواعد اللعبة الحزبية من أساسها. فما دامت “الشِّلة” وأصحاب المدح هم من يتحكمون في الترشيح والتصعيد والقرار، فلن تُولد قيادة من صنفٍ جديد، ولن يرى الوطن حزباً من صنفٍ جديد. إن ما ينبغي أن يسود هو (قانون الأحزاب ونظمها الأساسية) قواعد واضحة للتدرُّج والاختيار والمحاسبة، يعلو بها النظام على الهوى، وروح الفريق على الشلَّة، والمؤسسة على الحلقة الضيقة. فحين يُصبح القانون هو الزعيم الحقيقي، يُصبح الوطن هو المستفيد الحقيقي.

 

إن العقل السياسي السوداني، في أصداء وعيه، يحتاج إلى ثورةٍ داخلية قبل أي ثورة خارجية ثورةٍ تبدأ من نقد الذات لا من صلب الآخر. ثورة تُعيد الاعتبار للمشروع، وللبرنامج، وللمؤسسة، ولكادرٍ يفكر لا يُردِّد ثورة تُعلِّم أن معارضة السياسات شرف، وأن معارضة الوطن خيانة، وأن الزعيم يُحاسَب كما يُحاسَب أي فرد، وأن الديمقراطية تبدأ من الداخل من الحزب، من التنظيم، من النفس، ومن كرامة الإنسان التي تبدأ منها وتنتهي إليها كل الشرعيات. فما قيمة صناديق الاقتراع العامة إذا كانت صناديق الداخل المحروسة؟ وما جدوى الدساتير إذا لم تُكتب أولاً في ضمائر من يتولون حملها؟

 

إن الوطن الذي دفع دمه غالياً من أجل الحرية لا يستحق أن تُدار شؤونه بالدجل، ولا أن تُصارع فيه الأحزاب على الأجنحة التي تتربَّص بنا في السماء، بينما الأرض تُحرَث بالدموع. إنه يستحق كادراً جديداً يُولد من رحم هذه الأزمات، لا من عباءة الزعماء جيلاً يحمل البرنامج كما يحمل السلاح، ويحترم المؤسسة كما يحترم الرموز، ويرى في الخلاف ثروةً لا خصومة، وفي الإنسان أمانةً لا أداة، وفي الوطن وطناً لا ملكاً.

 

حتى ذلك الحين، سيبقى السودان يبحث عن وعيه، بين أصداء الماضي وضباب الحاضر، يسمع صوته في كل ثورةٍ ثم يفقده في كل مؤتمر، يكتشف نفسه في كل شارع ثم يخسره في كل مكتب، بانتظار فجرٍ لا يأتي من الخارج، بل من الداخل من ذلك العقل الذي إذا ما استيقظ، استيقظت معه الأمم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى