اخبار السودان
أخر الأخبار

أزرق طيبة.. حين يتحول النفوذ داخل مؤسسات الدولة إلى أداة للتمييز وانتهاك كرامة المواطنين

جعفر محمدين عابدين

إن ما تشهده منطقة أزرق طيبة بقرية طيبة الشيخ عبد الباقي، شمال مدينة مدني التي تقع في إدارية محلية جنوب الجزيرة بولاية الجزيرة، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلاف حول الأرض أو نزاع محلي بين أطراف متنازعة، بل هو قضية أعمق ترتبط بطبيعة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ومدى التزام هذه المؤسسات بمبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون.

إن استغلال النفوذ والمكانة داخل مؤسسات الدولة يمثل أحد أخطر مظاهر الاختلال المؤسسي، خاصة عندما يتحول هذا النفوذ إلى وسيلة لفرض الهيمنة وإسكات الأصوات المطالبة بحقوقها. فالدولة، بمؤسساتها وأجهزتها العدلية والتنفيذية، وجدت لحماية جميع المواطنين دون تمييز، وليس لمنح الامتيازات لفئة على حساب أخرى، أو تمكين أصحاب النفوذ من تجاوز القانون والإضرار بحقوق الآخرين.

إن ما يثير القلق في قضية أزرق طيبة هو ما أُثير بشأن إهانة الأمهات والأطفال، وما تعرضت له الأسر من معاناة جراء عمليات الهدم والتشريد. فالمساس بكرامة النساء والأطفال، وانتهاك الشعور بالأمان والاستقرار، لا يمكن تبريره بأي خلاف أو مبررات إدارية أو اجتماعية. كما أن أي إجراءات تتعلق بالمساكن والأراضي يجب أن تستند إلى القانون، وتراعي حقوق السكان، وتضمن لهم حق التقاضي والدفاع عن أنفسهم.

وتتجاوز خطورة هذه القضية حدود النزاع على الممتلكات، لتطرح تساؤلات جوهرية حول التمييز القائم على العرق واللون والانتماء القبلي، وحول مدى حياد مؤسسات الدولة في التعامل مع المواطنين. فحين يشعر المواطن بأن حقوقه لا تُحمى إلا بامتلاك النفوذ أو الانتماء إلى جماعة بعينها، فإن ذلك يعني أن مبدأ المواطنة المتساوية قد تعرض لانتكاسة خطيرة.

ومن هنا تبرز مسؤولية مؤسسات الدولة في مراجعة هذا الواقع المختل، والعمل على بناء مؤسسات مستقلة ومحايدة، لا تخضع للضغوط الاجتماعية أو القبلية أو الدينية، ولا تسمح بتحويل السلطة العامة إلى امتياز شخصي أو أداة للإقصاء والتمييز.

ولا بد كذلك من التوقف أمام توظيف المكانة الدينية والاجتماعية في النزاعات ذات الطابع الحقوقي. فالدين، في جوهره، رسالة للعدل والرحمة وصون كرامة الإنسان، وليس وسيلة لاكتساب النفوذ أو فرض الوصاية على الآخرين. وعندما تجتمع السلطة الدينية مع النفوذ القبلي والسياسي، دون ضوابط أخلاقية أو مؤسسية، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري: ما قيمة الخطاب الديني إذا لم يكن حارساً للعدل والإنصاف، ومدافعاً عن كرامة الإنسان وحقوقه؟

إن مكانة رجل الدين الحقيقية لا تُقاس بما يمتلكه من نفوذ أو سلطة اجتماعية، وإنما بمدى التزامه بقيم التسامح والعدالة والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بعيداً عن الانحيازات القبلية والعرقية.

إن قضية أزرق طيبة تستدعي موقفاً وطنياً مسؤولاً، يبدأ بالتحقيق المستقل والشفاف في الوقائع، ومراجعة المستندات والقرارات المتعلقة بالأراضي والمساكن، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات. كما تستوجب حماية المتضررين وإنصاف الأسر التي فقدت مساكنها، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو قبلية أو اجتماعية.

• إن معركة الإصلاح الحقيقية ليست معركة ضد أفراد أو جماعات، وإنما هي معركة من أجل دولة القانون والمؤسسات، دولة لا يُهان فيها مواطن بسبب لونه أو عرقه أو أصله، ولا تُهدر فيها حقوق أسرة بسبب ضعفها أو غياب نفوذها.

فلا يمكن بناء دولة بمؤسسات تنحاز إلى مواطن دون آخر، ولا يمكن الحديث عن السلام والتعايش في ظل استمرار التمييز والإقصاء. إن المواطنة المتساوية ليست شعاراً سياسياً، بل حق أصيل يجب أن تحميه الدولة وتصونه مؤسساتها.

• أزرق طيبة ليست مجرد قضية محلية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بالعدالة والمساواة، واحترام كرامة الإنسان. فالحقوق لا تُمنح بالنفوذ، والعدالة لا تعرف القبيلة، وكرامة الإنسان لا تقبل المساومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى