
في يومٍ حار، كان آدم يقف في صفٍ طويل أمام محلٍ صغير، يتأمل الوجوه من حوله بصمت. أمامه رجل أسمر، وخلفه رجل فاتح اللون، وكل واحدٍ منهم يحمل على كتفه ما يكفي من الهموم ليجعله إنسانًا، لا مادةً للسخرية أو الحكم.
وفي لحظةٍ عابرة، سمع آدم ضحكًا يتصاعد من بعض الواقفين على لون رجلٍ بعيد. لم يكن الضحك مجرد عبثٍ عابر؛ كان إعلانًا صغيرًا عن قسوةٍ كبيرة، وعن حاجةٍ مريضة إلى الشعور بالتفوق عبر إهانة الآخر. ضحكوا كما لو أنهم انتصروا على أحدٍ لا يملك حتى حق الرد، وكأن اختلاف اللون يمنحهم حقًا في الانتقاص من إنسانية غيرهم.
بعد دقائق، تحرك الصف ثلاثة أمتار فقط.
لكن تلك الأمتار القليلة كانت كافية لتقلب المشهد. فقد وصل آدم إلى مكان الرجل الذي ضحكوا عليه، وهناك رأى الوجوه نفسها التي كانت تضحك قبل قليل وقد صارت صامتة، وهي تتلقى كلمات جارحة من آخرين. عندها أدرك أن المستهزئ قد يصبح ضحية، وأن من يزرع الإهانة في الناس لا يضمن أن يحصد إلا مثلها.
ابتسم آدم في داخله وقال:
غريبة هذه الدنيا؛ من يبحث عن العلو بإسقاط غيره، سيجد دائمًا من يسقطه بالطريقة نفسها.
ومع استمرار الصف في التحرك، رأى مشاهد أكثر مرارة: مسلمًا يحتقر مسيحيًا، ومسيحيًا يحتقر مسلمًا، وأسود يحتقر أسود أغمق منه، وفقيرًا يسخر من فقيرٍ أقل منه حالًا. بدا له وكأن البشر، بدل أن يداووا جراحهم، يمررونها إلى صدور الآخرين. وكأن الألم، حين لا يُفهم، يتحول إلى عدوان.
رفع آدم رأسه إلى السماء، واستحضر معنى أعمق من المشهد كله:
لو كان اللون هو معيار القيمة، لما تنوعت الوجوه بهذا الجمال. ولو كان الاختلاف عيبًا، لما خلق الله الناس شعوبًا وقبائل وأشكالًا ولهجات.
وصل آدم إلى نهاية الصف، لكنه لم يصل فقط إلى باب المحل؛ لقد وصل إلى حقيقة أكبر من الشراء نفسه.
فالعنصرية ليست مجرد مشكلة لون، بل كثيرًا ما تكون محاولة يائسة من إنسانٍ مكسور ليشعر أنه أفضل من غيره. والاحتقار، في جوهره، ليس قوةً بل ضعفٌ متنكر في هيئة تفوق.
والحقيقة التي خرج بها آدم من ذلك اليوم بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
من يكره لون غيره، أو دين غيره، أو شكل غيره، فهو غالبًا لم يتصالح بعد مع نفسه. أما من أحب ذاته بحق، فلا يحتاج إلى أن يُنقص من قيمة أحد كي يشعر بأنه أكبر.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأى آدم إنسانًا يتفاخر على الناس بلونه أو أصله أو نسبه، تذكر ذلك الصف الطويل، وتذكر أن المسافة بين المتعالي والمُهان قد لا تكون أكثر من ثلاثة أمتار.




