اخبار السوداناخبار المنظماتتقارير

العدالة تحت التعذيب قضية عمر محمد عمر دارس والانتهاكات المرتبطة بالاستهداف القبلي والمحاكمات الأمنية في السودان

تقرير

في واحدة من أكثر القضايا التي تعكس تعقيدات المشهد الحقوقي والقضائي في السودان خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، سلطت منظمة مناصرة ضحايا دارفور الضوء على قضية المواطن السوداني عمر محمد عمر دارس، باعتبارها نموذجاً لما وصفته المنظمة بـ”تآكل الضمانات القانونية الأساسية” وتصاعد استخدام المحاكمات الأمنية والاتهامات المرتبطة بالإرهاب ضد مدنيين، خصوصاً من أبناء إقليم دارفور وغرب السودان.

التقرير، الذي نشرته المنظمة على موقعها الرسمي، يوثق سلسلة من الانتهاكات التي بدأت – بحسب الإفادات الواردة – منذ لحظة وصول عمر محمد عمر دارس إلى مطار بورتسودان الدولي في 15 مارس 2024، وصولاً إلى الحكم عليه بالسجن عشر سنوات بموجب مواد تتعلق بإثارة الحرب ضد الدولة وتقويض النظام الدستوري.

اعتقال داخل المطار وتحقيقات تحت التعذيب

بحسب التقرير، فإن عمر محمد عمر دارس، المنحدر من محلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، كان قد عاد إلى السودان من دولة الكويت بغرض استكمال ترتيبات سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر برنامج اللوتري، بعد سنوات من العمل في مجال النقل وإدارة الشاحنات.

غير أن رحلته انتهت – وفقاً للتقرير – باعتقاله فور وصوله إلى مطار بورتسودان بواسطة عناصر تتبع للخلية الأمنية المشتركة، حيث جرى اقتياده معصوب العينين إلى جهة احتجاز غير معلومة.

وتقول المنظمة إن المعتقل تعرض منذ الساعات الأولى لاحتجازه إلى عمليات تعذيب جسدي ونفسي شملت الضرب والركل والإهانات اللفظية والاستجواب المكثف المرتبط بخلفيته القبلية وانتمائه الجغرافي. وتشير الإفادات إلى أن وتيرة التعذيب تصاعدت بعد إبلاغ المحققين بأنه ينتمي إلى قبيلة بني هلبة بولاية جنوب دارفور.

وترى المنظمة أن هذا السلوك يعكس نمطاً خطيراً من الاستهداف القائم على الهوية الإثنية والقبلية، في مخالفة مباشرة لمبادئ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليها في المواثيق الدولية.

“لا للحرب” تتحول إلى تهمة

التقرير يكشف أيضاً أن التحقيقات التي أجرتها لاحقاً لجنة تابعة لجهاز المخابرات العامة لم تتوقف عند الخلفية القبلية، بل امتدت إلى تفتيش الهاتف الشخصي والحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ووفقاً للإفادات التي استندت إليها المنظمة، لم يعثر المحققون على أي أدلة تتعلق بنشاط عسكري أو أمني، إلا أنهم اعتبروا المنشورات المناهضة للحرب والداعية إلى السلام دليلاً على الانتماء السياسي المعارض.

وتقول المنظمة إن المحققين وصفوا المعتقل بأنه “قحاطي”، قبل أن يُعاد – بحسب الإفادات – إلى ما وصفته بـ”مكاتب التعذيب”، بهدف انتزاع اعترافات تربطه بقوات الدعم السريع أو بقوى سياسية مدنية معارضة.

هذا الجانب من القضية يثير مخاوف واسعة بشأن استخدام القوانين الأمنية وقوانين الإرهاب لتجريم حرية التعبير والآراء السياسية، خصوصاً في ظل الحرب والانقسام السياسي الحاد الذي يعيشه السودان.

احتجاز طويل ومحاكمة مثيرة للجدل

بحسب التقرير، نُقل عمر محمد عمر دارس إلى سجن بورتسودان القومي في 27 مارس 2024، حيث قضى شهراً كاملاً في الحبس الانفرادي، قبل أن يُحتجز لفترة تقارب تسعة أشهر دون محاكمة مكتملة الإجراءات.

وتشير المعلومات الواردة إلى أن أول مثول له أمام المحكمة كشف – وفقاً للإفادات – عدم وجود دعوى مكتملة ضده، غير أنه أعيد إلى الاحتجاز، وتعرض لاحقاً لمزيد من الضغوط والتعذيب بهدف انتزاع اعتراف قضائي.

وفي نهاية المطاف، وُجهت إليه اتهامات بموجب المواد:

  • المادة 50 الخاصة بإثارة الحرب ضد الدولة؛
  • المادة 51 المتعلقة بتقويض النظام الدستوري؛
  • المادة 26 الخاصة بالمعاونة الجنائية.

وبعد جلسات استمرت عدة أشهر، أصدرت المحكمة برئاسة القاضي محمد سر الختم، في 15 مايو 2025، حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات.

مخاوف من تسييس العدالة

التقرير أبدى قلقاً متزايداً بشأن استقلال القضاء السوداني في ظل أجواء الحرب، مشيراً إلى أن الحكم صدر بعد أيام قليلة من هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مدينة بورتسودان.

وترى المنظمة أن توقيت الحكم والظروف المحيطة به يثيران تساؤلات حول إمكانية استخدام المحاكمات الأمنية كوسيلة لإرسال رسائل سياسية أو أمنية، بدلاً من تطبيق العدالة وفق المعايير القانونية المعروفة.

وأكدت المنظمة أن العدالة الجنائية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للترهيب الجماعي أو الانتقام على أساس الهوية والانتماء الجغرافي.

مئات المحتجزين من أبناء غرب السودان

واحدة من أخطر النقاط التي تضمنها التقرير تتعلق بما وصفته المنظمة بوجود نمط أوسع من الملاحقات بحق أبناء غرب السودان.

فبحسب الإفادات، يوجد ما بين 180 إلى 200 محتجز داخل سجن بورتسودان القومي، يواجهون تهماً بموجب المادتين 50 و51 من القانون الجنائي السوداني، بينما صدرت بحق بعضهم أحكام بالسجن لفترات طويلة أو الإعدام.

وترى المنظمة أن هذه المؤشرات تستدعي فتح تحقيق مستقل بشأن:

  • مزاعم التعذيب
  • سلامة الإجراءات القضائية
  • ظروف الاحتجاز
  • احتمالات الاستهداف القائم على الخلفية القبلية والجهوية.

انتهاكات محتملة للقانون الدولي

بحسب التقرير، فإن الوقائع المرتبطة بالقضية قد تشكل انتهاكاً لعدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، من بينها:

  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
  • اتفاقية مناهضة التعذيب؛
  • الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

وأكدت المنظمة أن الانتهاكات المحتملة تشمل:

  • الاعتقال التعسفي
  • التعذيب والمعاملة القاسية
  • انتزاع الاعترافات بالإكراه
  • الإخفاء والاحتجاز غير القانوني
  • انتهاك الحق في المحاكمة العادلة
  • التمييز على أساس الانتماء القبلي والإثني.

دعوات لتحقيق مستقل وإعادة المحاكمة

وفي ختام تقريرها، طالبت منظمة مناصرة ضحايا دارفور بالإفراج الفوري عن عمر محمد عمر دارس أو إعادة محاكمته أمام هيئة قضائية مستقلة تتوفر فيها ضمانات العدالة الكاملة.

كما دعت إلى:

  • فتح تحقيق مستقل في مزاعم التعذيب؛
  • تمكين المنظمات الحقوقية من زيارة السجون؛
  • وقف استخدام قوانين الإرهاب لقمع المعارضين ومناهضي الحرب؛
  • مراجعة أوضاع المحتجزين من أبناء غرب السودان

ضمان خضوع المحاكمات لرقابة قانونية مستقلة وشفافة.

وتخلص المنظمة إلى أن استمرار هذه الانتهاكات لا يهدد الأفراد المستهدفين وحدهم، بل يهدد أيضاً ما تبقى من الثقة في مؤسسات العدالة وسيادة القانون في السودان، في وقت تبدو فيه البلاد أكثر احتياجاً إلى العدالة والمصالحة، لا إلى المحاكمات الاستثنائية والاشتباه القبلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى