
دكتور أسامة العمري مؤسس ورئيس منظمة ابونا ادم يكتب بالاستنفار ورفض الهدنة في السودان بين عبث الحرب وشراكة الفساد
مقالات
بالاستنفار ورفض الهدنة في السودان بين عبث الحرب وشراكة الفساد
في خضمّ ما يعيشه الشعب السوداني من حرب طاحنة أحرقت البشر والحجر، يطلّ من جديد خطاب “الاستنفار” ورفض الهدنة، وكأن البلاد لم يكفها ما سال من دماء، مسفوكة ولم تتعب من أزيز الرصاص، ولم تُنهكها الفواجع التي تملأ البيوت والطرقات. النزوح واللجوء والدمار.. يخرج البعض يطالب بالمزيد من الوقود للحرب، وبمزيد من “الرجال” لجبهات القتال ، بينما الذين أشعلوا هذه النيران وآكلو ثمارها يتنعمون بالأمن والراحة بعيداً عن خطوط النار في دول العالم..
الاستنفار الحقيقي — إن كان هناك استنفار — يجب أن يكون ضد الفساد،والدعوة للتسامح والعيش بالتراضي لا ضد الشعب باستنفار الضغائن والانتقام لتتعالي علي التسامح والود والحلم..
آن يكون الاستنفار
ضد الذين نهبوا خيرات البلاد، لا ضد المخيمات التي تتوزع فيها الأسر المنكوبة.
ضد الذين تقاسموا الممتلكات والثروات في الغرف المغلقة، لا ضد شبابٍ يتم دفعهم للحرب إلى حدود الجوع واليأس.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
لمن تُشعل هذه الحرب وتستمر ؟ ومن المستفيد الحقيقي من استمرارها؟
الحرب اليوم لم تعد سوى ساحة صراع بين شريكين سابقين في السلطة والثروة؛ شركاء في الفساد، مختلفين فقط على حجم الغنيمة. أما المواطن السوداني فهو الضحية الوحيدة الدائمة، يُستهلك دمه باسم “الكرامة” بينما الذين أهانوا الكرامة هم من يحاضرون فيها اليوم.
كل مافيا الفساد — من كل الأطراف — تنعم بالأمان بعيداً عن نيران الحرب وتداعياتها
تتنقل بين العواصم، تعيش في الفنادق، تستثمر الأموال المنهوبة، بينما السودان يتهاوى، والمدن تُدمّر، والناس تهيم على وجوهها بلا مأوى ولا قوت ولامستقبل
ثم يخرجون علينا بحديث عن “الصمود” و”الكرامة”.
أيُّ كرامة هذه؟
وأيُّ كبرياء يتحدثون عنه؟
كرامة أمة تُسحق كل يوم؟
وكبرياء وطنٍ انهكته خيانات أبنائه قبل أعدائه؟
لقد أصبح واضحاً أن الحرب ليست لحماية السودان، بل لحماية مصالح فئة ضيقة تحتمي خلف الشعارات وتدفع الشعب إلى محرقة لا ضرورة لها. وحتى رحمة الله التي يرسلها لعباده المصابين، يقف البعض في وجهها، يرفض الهدنة، يعطل الإغاثة، ويمنع الناس من التقاط أنفاسهم.
كفاية… وألف كفاية.
كفاية لهذا الهدر، كفاية لهذا الاستهتار، كفاية لهذا الهبل السياسي الذي يستهين بحياة الملايين.
لم يعد الشعب السوداني بحاجة لمزيد من البيانات المتشنجة، ولا لمزيد من الوعود الفارغة، ولا لشعارات الحرب التي تصنعها غرف مكيفة. ما يحتاجه هو السلام، والعدالة، والمحاسبة، والخلاص من شبكة الفساد التي حكمت البلاد لعقود.
ويبقى الأمل في عدل الله الذي لا يضيع.
الغضب الرباني — مهما طال الصبر — هو الفاصل والفيصل بين الحق والباطل، وبين من دمّروا البلاد وبين من يستحقون الحياة الكريمة فوق أرضهم.
السودان لن ينهض بالحرب…حيث الانتقام المتبادل ليستمر تناسل الحرب…
ومع ذلك سينهض حين يسقط الفساد، وتُعلو قيمة الإنسان، ويعود الوطن لجميع أبنائه بلا استثناء.




